حتى لا تتحول حوارات رشوان إلى مكلمة!
هل تحمل لقاءات الدكتور ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام مع رؤساء تحرير الصحف القومية وقيادات ماسبيرو وشيوخ المهنة والمعنيين بالإعلام بوجه عام، بداية حقيقية لمسار إنقاذ طال انتظاره للإعلام والصحافة؟ أم أننا أمام مكلمة جديدة أو حلقة جديدة من حلقات النقاش التي تنتهي إلى توصيات أنيقة تحفظ في الأدراج، بينما تستمر المؤسسات الإعلامية والصحفية في مواجهة أزماتها المتراكمة وحدها؟!
وهل تكفي الوعود المتعلقة بتدفق المعلومات ودعم الإعلام الرقمي لإعادة الروح إلى مؤسسات إعلامية وصحفية أنهكتها الديون، واستنزفها تراجع الموارد، وأضعفتها سنوات من وقف التعيينات وتناقل الخبرات؟ أم أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد تحديث أدوات أو إطلاق شعارات تطوير؟
لا شك أن أهمية اللقاء تنبع من كون الوزير نفسه ابنًا للصحافة القومية تحديدا، يدرك بحكم تجربته طبيعة الأوجاع المزمنة داخل المؤسسات الإعلامية والصحفية، ويعرف أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة بنية وهيكل ورؤية وإدارة.
فالإعلام والصحافة اليوم لا تعاني فقط من ارتفاع تكلفة التشغيل أو تراجع الإعلانات، وإنما تعاني قبل ذلك من متاعب إدارية ومهنية نتجت عن سنوات طويلة من غياب الدماء الجديدة، وتوقف التعيينات، وعدم تناقل الخبرات بصورة طبيعية بين الأجيال.
لقد تحولت بعض المؤسسات الإعلامية والصحفية إلى كيانات هرمة؛ جيل كامل اقترب من التقاعد دون أن يجد من يسلمه الراية. وفي المقابل، يقف عشرات الشباب المؤهلين خارج أسوار المهنة، بينما تتراجع القدرة على مواكبة الإعلام الرقمي الذي بات يلتهم المجال العام بسرعة هائلة.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: كيف يمكن الحديث عن تطوير إعلام وصحافة بلا إعلاميين أو صحفيين جدد؟ وكيف تصنع مؤسسة إعلامًا حديثًا بينما متوسط أعمار غرف التحرير والأخبار والتوك شو وغيرهما يتزايد عامًا بعد آخر؟
ثم تأتي قضية أخرى لا تقل خطورة، وهي غياب الفصل الحقيقي بين الإدارة والتحرير. فالكثير من أزمات الإعلام والصحافة لم تكن ناتجة عن نقص الإمكانات وحده، بل عن اختلاط الأدوار، وضعف القدرة على استثمار الأصول الهائلة التي تمتلكها تلك المؤسسات، سواء كانت أصولًا عقارية أو أرشيفًا تاريخيًا يمثل كنزًا معرفيًا ووثائقيًا نادرًا.
ومن هنا تبدو دعوة الوزير إلى استغلال الأرشيف الرقمي خطوة مهمة، لكنها تظل بحاجة إلى خطة تنفيذية واضحة، لا مجرد أمنيات عامة تتكرر في كل اجتماع.
أما المعضلة الأهم، التي تتجاوز كل الأزمات المهنية والاقتصادية، فهي استمرار غياب قانون حقيقي لتداول المعلومات. فالإعلام والصحافة لا يمكن أن يزدهرا في بيئة يظل فيها الوصول إلى المعلومة معقدًا أو بطيئًا أو خاضعًا للاجتهادات الشخصية.
وقد عبّر قيادات ماسبيرو ورؤساء التحرير بوضوح عن تلك الأزمة حين تحدثوا عن الحاجة إلى “ما وراء الخبر”، لا الخبر وحده. لأن الإعلام والصحافة الحديثة لم يعودا مجرد ناقل للأحداث، بل أصبحا تفسيرًا وتحليلًا وكشفًا للسياقات. فكيف تزدهر مثلا الصحافة الاستقصائية التي طالب بها الوزير نفسه، بينما لا يزال قانون تداول المعلومات غائبًا حتى الآن؟
إن الحديث عن تطوير الإعلام والصحافة القومية ليس جديدًا. فقد شهدت السنوات الماضية تشكيل لجان ومؤتمرات وورش عمل عديدة ناقشت المشكلات ذاتها تقريبًا، من التحول الرقمي إلى إعادة الهيكلة الاقتصادية وتطوير المحتوى. لكن أغلب تلك التوصيات بقي حبرًا على ورق، لأن المشكلة لم تكن يومًا في نقص الدراسات، بل في غياب الإرادة التنفيذية وآليات التطبيق.
ولعل من المفيد هنا استدعاء ما أُنجز سابقًا من دراسات جادة وعميقة، سواء تلك التي أعدتها مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر (الجمهورية) خلال فترات سابقة، أو ما قدمته كلية الإعلام جامعة القاهرة بقيادة الدكتورة ليلى عبد المجيد، وبمشاركة زوجها الراحل الدكتور محمود علم الدين، وغيرهما من الخبراء والأكاديميين الذين وضعوا تصورات متكاملة لتطوير المؤسسات الصحفية القومية إداريًا ومهنيًا واقتصاديًا.
فهل تبدأ وزارة الإعلام من حيث انتهت تلك الدراسات، أم تعيد إنتاج النقاش من نقطة الصفر مرة أخرى؟
الحقيقة أن إنقاذ الإعلام والصحافة لم يعد ترفًا مهنيًا، بل ضرورة وطنية وثقافية. فهذه المؤسسات ليست مجرد مؤسسات خاسرة تبحث عن دعم مالي، وإنما ذاكرة دولة وقوة ناعمة وتاريخ ممتد لعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي المصري والعربي لعقود طويلة.
لكن الحفاظ على هذا الدور لن يتحقق بالحنين إلى الماضي، وإنما بإعادة بناء نموذج جديد للإعلام وللصحافة يقوم على المهنية، والحرية المسؤولة، والإدارة الحديثة، والتكنولوجيا، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ينجح الوزير ضياء رشوان وهو في الأصل صحفي ينتمي للمؤسسات القومية في تحويل هذه اللقاءات إلى بداية فعلية لمسار إصلاح حقيقي، أم تلحق هي الأخرى بقائمة طويلة من مشروعات التطوير المؤجلة التي سمع عنها الإعلاميون والصحفيون كثيرًا ولم يروا منها شيئًا على أرض الواقع؟!
واضح أن وزارة الدولة للإعلام سيقتصر دورها على إدارة الحوارات عن التطوير المنشود في الإعلام والصحافة بكل ألوانها دون تنفيذ عملي على أرض الواقع بما في ذلك توسيع حرية التعبير!
