رئيس التحرير
عصام كامل

الحج.. طواف الروح حول مكارم الأخلاق!

18 حجم الخط

الحج ليس رحلة انتقالٍ من وطنٍ إلى وطن، ولا طقسًا موسميًّا تُلتقط فيه الصور وتُعلَّق بعده الألقاب، بل هو رحلةُ عودةٍ كبرى من ضجيج الدنيا إلى صفاء الفطرة، ومن ثقل الذنب إلى خفة الروح، ومن عبودية الهوى إلى تمام العبودية لله.


إنه المؤتمر الأعظم الذي يجتمع فيه المسلمون من كل لون ولسان، تتجرد فيه الأجساد من زينتها، وتتساوى فيه المقامات، فلا غنيَّ يترفّع بماله، ولا صاحبُ جاهٍ يتقدّم بمنصبه، بل الجميع يقفون في صعيدٍ واحد، بلباسٍ واحد، يهتفون بنداءٍ واحد: “لبيك اللهم لبيك”. وكأن البشرية كلها تعود للحظة الميلاد الأولى؛ يوم كان الإنسان إنسانًا قبل أن تفرقه العصبيات والمطامع والأهواء.


وفي هذا المشهد المهيب تتجلّى الغاية الكبرى للحج؛ أن تتوحد القلوب قبل الصفوف، وأن يتعلم المسلم أن الأمة جسدٌ واحد، وأن الدين ليس شعائرَ معزولة عن واقع الناس، بل أخلاقٌ وعدلٌ ورحمةٌ وصيانةٌ للحقوق. فكيف يطوف امرؤٌ ببيت الله، ثم يعود ليأكل ميراث أخته؟ وكيف يرفع يديه بالدعاء عند عرفات، ثم يبطش بضعيفٍ أو يظلم أجيرًا أو يكسر قلبًا بكلمة قاسية؟


إن الحج الحق لا يصنع متدينًا في الظاهر فحسب، بل يبني إنسانًا جديدًا في الداخل؛ إنسانًا يراجع نفسه، ويطهّر قلبه، ويردّ المظالم إلى أهلها، ويتخفف من أوزار الكِبر والقسوة والطمع. ولذلك لم يجعل الإسلام غاية الحج كثرة الحركة بين المشاعر، وإنما ثمرة تلك الرحلة أن يخرج الإنسان منها أكثر رحمةً وعدلًا وصدقًا واتزانًا.


ولهذا كان من الخطأ الفادح أن يظن بعض الناس أن تكرار الحج والعمرة يغسل آثار الظلم مع الإصرار عليه، أو يمحو حقوق العباد مع التمسك بها. فالله سبحانه طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، والعبادات لا تتحول إلى ستارٍ يُخفى خلفه الفساد والجور. إن دمعةً صادقة من قلبٍ ردّ الحقوق إلى أهلها، وتاب من ظلم الناس، أحب إلى الله من أعمالٍ كثيرةٍ يحمل صاحبها في عنقه خصومات العباد وآهات المظلومين.


وما أعظم الفرق بين حاجٍّ عاد من مكة بثياب الإحرام فقط، وحاجٍّ عاد بروحٍ جديدة! الأول انتهت رحلته عند حدود المناسك، أما الثاني فقد بدأت رحلته الحقيقية بعد الحج؛ حين عاد أكثر لينًا مع أهله، وأصدق في معاملاته، وأرحم بالناس، وأبعد عن الغش والكبر والعدوان. ذاك هو الذي عاد كيوم ولدته أمه؛ لا لأن خطواته وحدها غُفرت، بل لأن قلبه تبدّل، وسلوكه استقام، وروحه امتلأت بخشية الله ومراقبته.

إن الحج مدرسةٌ عملية تعلّم المسلم أن الطاعة ليست كلماتٍ تُقال، بل أثرٌ يظهر في الحياة اليومية؛ في البيع والشراء، وفي الرحمة بالخلق، وفي حفظ اللسان، وفي أداء الأمانات، وفي ردّ الحقوق إلى أصحابها. فإذا لم تُثمر العبادة إنسانًا أنقى قلبًا وأعدل سلوكًا، فقد ضاعت روح العبادة وبقيت صورتها.

ولهذا كان الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة؛ لأنه حجٌّ غيّر صاحبه، لا حجٌّ غيّر مكانه فقط.
ويبقى السؤال الأهم: أيهما أولي تكرار  الحج والعمرة  أم توفير نفقاتهما لتعليم وزواج الأبناء وعلاجهم أو التبرع لإنشاء المساجد والمستشفيات والمدارس.

الجريدة الرسمية