رئيس التحرير
عصام كامل

ظالم العباد! (2)

18 حجم الخط

ثمة مفاهيم خاطئة لدى البعض تجعلهم يعتقدون أن بإمكانهم أن يفعلوا ما يحلو لهم ثم يذهبون للحج والعمرة ليغفر لهم ما قد سلف.. فهل الحج يغفر ذنوب العباد كلها؟! وهل الحج يمحو كل شيء مطلقًا، حتى حقوق الناس؟!


الحقيقة أن الحج يكفّر الذنوب المتعلقة بحق الله إذا صحت التوبة، أما حقوق العباد فلا بد فيها من رد الحقوق أو طلب المسامحة، قال ﷺ: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم».
 

فلا يكفي أن يعود الحاج بثياب بيضاء وقلبه ما زال يحمل أموال الناس وحقوقهم ودموعهم وفضائحهم وكسورهم. من اغتاب عليه أن يستغفر ويتوب ويصلح ما أفسده. ومن أكل مالًا فعليه رده. ومن ظلم إنسانًا فعليه أن يتحلل منه. ومن نمّ وشوّه وأفسد بين الناس فعليه أن يصلح ما خرّبه. لأن القضية ليست طقوسًا تُؤدّى، بل عدل يُقام وحقوق تُرد.

 

القنطرة.. حيث تتوقف الجموع قبل الجنة

ومن أعظم المشاهد التي يغفل عنها الناس ما أخبر به النبي ﷺ عن القنطرة بعد الصراط. فبعد أن ينجو المؤمنون من النار ويعبروا الصراط، لا يدخلون الجنة مباشرة، بل يقفون للحساب فيما بينهم.
قال ﷺ: «إذا خلص المؤمنون من النار حُبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيُقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة».


تأمل المشهد، الناس ظنت أن الأمر انتهى، وأن النجاة قد اكتملت، ثم يُنادى عليهم: ما زالت هناك حقوق لم تُرد، ومظالم لم تُصفَّ، وقلوب لم تُجبر. هناك لا نفوذ، ولا جاه، ولا مناصب، ولا أموال.. هناك عمل فقط.. حسنات وسيئات.

لا تغتر بكثرة الطاعات وأنت تؤذي الناس، فقد يصلي الإنسان طويلًا، ويحج مرارًا، ويتصدق كثيرًا، لكنه يؤذي الخلق بلسانه أو ظلمه أو قسوته أو أكله للحقوق، فيأتي يوم القيامة مفلسًا. قال تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا». فالظلم ليس مجرد جريمة اجتماعية، بل حرب مع عدل الله.

ولهذا فإن الصالحين يخافون من دعوة المظلوم أكثر من خوفهم من السيوف، لأن النبي ﷺ قال: «واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».


قبل أن يأتي يوم القصاص

ردّ المظالم ليس ضعفًا، بل شجاعة نجاة. والاعتذار ليس انكسارًا، بل تطهير للروح قبل يوم الحساب. فتش في حياتك: من ظلمته؟ من كسرت قلبه؟ من اغتبته؟ من أخذت حقه؟ من صدقت عليه كذبة دون أن تتثبت؟ من خذلته وهو ينتظر نصرتك؟


اذهب إليه اليوم.. فالحقوق هنا تُرد بالكلمة والاعتذار والتسامح وردّ الأموال. أما هناك.. فتُرد من رصيد العمر كله: من الحسنات. ويومها لن يتمنى الإنسان شيئًا أكثر من حسنة واحدة تبقيه واقفًا بعيدًا عن النار.

الجريدة الرسمية