صلة الأرحام.. عبادة!
لم تعد صلة الرحم عند كثير من الناس عبادةً تُبتغى بها مرضاة الله، بل أصبحت -إلا من رحم الله- علاقةً موسمية تُدار بمنطق المنفعة؛ يزورونك حين يحتاجون، ويغيبون حين تحتاج، يقتربون إذا كانت المصلحة حاضرة، ويبتعدون إذا انتهى الغرض. حتى غدت بعض الزيارات مجاملات باردة، والاتصالات رسائل صامتة خالية من الدفء، والقلوب وإن اجتمعت الأجساد متباعدةٌ كأن بينها مفاوز من الجفاء.
لقد أصاب الأمة خللٌ عميق حين فقدت المعنى الإيماني لصلة الرحم، فصارت القرابة عند البعض مجرد اسم في بطاقة العائلة، لا رابطة رحمة ومودة وتكافل. مع أن الله سبحانه وتعالى عظّم شأن الرحم تعظيمًا بالغًا، حتى قرنها باسمه، فقال جل جلاله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾،
وقال سبحانه محذرًا من القطيعة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
أي وعيدٍ أشد من اللعنة والإبعاد عن رحمة الله؟! وأي خسارةٍ أفدح من إنسان يعيش بين أهله غريبًا، وبين أقاربه وحيدًا، لا يجد عند الشدة كتفًا يسنده ولا قلبًا يحتويه؟
لقد جاءت السنة النبوية لتجعل صلة الرحم من أعظم القربات وأجلّ الطاعات. يقول النبي ﷺ: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه». فصلة الرحم ليست مجاملة اجتماعية، بل باب بركة في العمر، وسعة في الرزق، وطمأنينة في النفس، وحفظ من الله للعبد في دنياه وآخرته.
ويقول ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع رحم».
لأن قطيعة الرحم ليست مجرد خطأ اجتماعي، بل انهيار أخلاقي يهدد بناء الأمة من جذوره.
لقد كانت الأمة يوم كانت متماسكةً تعرف معنى العائلة الممتدة، والجار القريب، والسؤال الدائم، والمواساة الحقيقية.
كان الغني يشعر بمسؤوليته تجاه قريبه الفقير، وكان الكبير يحتوي الصغير، وكانت المجالس العائلية مدارس للمودة والتربية والانتماء. فكانت البيوت متقاربة وإن تباعدت المسافات، وكانت النفوس متحابة وإن اختلفت الأحوال.
أما اليوم فقد أضعفت الماديات كثيرًا من الروابط، وأصبح البعض يقيس الناس بما يملكون لا بما يحملون من وفاء وأخلاق. انشغل الناس بالهواتف عن الوجوه، وبالمصالح عن المشاعر، حتى صار بعض الأقارب يعرف أخبار الغرباء من وسائل التواصل أكثر مما يعرف أحوال أرحامه.
ومن أخطر ما خسرناه بتقطيع الأرحام هو انهيار السند النفسي والاجتماعي. فحين تضعف الأسرة يضعف المجتمع، وحين تتفكك البيوت يسهل على الأزمات أن تفتك بالأفراد. إن الأمة القوية لا تُبنى بالاقتصاد وحده ولا بالشعارات وحدها، بل تُبنى أولًا بروابط الرحمة والتكافل والتماسك الإنساني.
لقد كانت صلة الرحم سرًا من أسرار قوة المسلمين؛ لأنها تخلق مجتمعًا متراحمًا متعاونًا، يشعر فيه الإنسان أنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة. أما حين تسود القطيعة، فإن القلوب تقسو، والأنانية تتمدد، ويصبح كل إنسان جزيرةً معزولة لا يعنيه إلا نفسه.
وما أحوجنا اليوم ـ خاصة في هذه الأيام المباركة، أيام الحج والنفحات الإيمانية ـ إلى مراجعة أنفسنا، وإعادة بناء ما تهدّم من جسور المودة. فما قيمة الطاعات إذا كانت القلوب متقاطعة؟ وما معنى التكبير والدعاء والدموع إذا كان الأخ لا يكلّم أخاه، والقريب يهجر قريبه سنوات لأجل دنيا زائلة أو كلمة عابرة؟
إن إصلاح ذات البين عبادة عظيمة، بل قال فيها النبي ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين». لأن الأمة التي تتصالح قلوبها أمةٌ تستعيد قوتها، أما الأمة التي تتنازع داخل بيوتها فلن تنتصر خارجها.
فمتى نعود إلى دفء العائلة الحقيقي؟ متى يصبح السؤال عن الرحم نابعًا من المحبة لا من الحاجة؟
متى نزور بلا مصلحة، ونسامح بلا كبرياء، ونعفو ابتغاء وجه الله؟
إن الرحم المقطوعة لا يصلحها العناد، بل يصلحها قلب يخشى الله. وقد لا تحتاج البداية إلى أكثر من اتصال صادق، أو رسالة اعتذار، أو زيارة تُحيي ما أماتته السنوات.
فلا تؤجلوا الوصل؛ فالعمر أقصر من الخصام، والقبور مليئة بأناس تمنوا لو عاد بهم الزمن ليقولوا كلمة طيبة أو يصلوا رحمًا انقطعت. وصلوا أرحامكم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، وتذكروا دائمًا أن صلة الرحم ليست فضلًا زائدًا، بل عبادة من أجلّ العبادات، وسبب من أسباب رحمة الله بالأفراد والأمم.
