رئيس التحرير
عصام كامل

شباب دليفري.. هتاف الشقيانين!

18 حجم الخط

لم يعد مشهد الشاب الذي يقود دراجة نارية لساعات طويلة صيفا وشتاء مجرد تفصيلة عابرة في الشارع المصري، بل أصبح عنوانًا لمرحلة كاملة، آلاف الصناديق المربوطة خلف ظهور الشباب لم تعد تنقل الطعام فقط، بل تنقل حكاية اقتصاد مثقل بالمتاعب، ومجتمع يتسع فيه الفارق بين من يطلب ومن يُطلب منه أن يجري طوال اليوم كي يعيش.


حين يتحول ملايين الشباب، ومعظمهم أصحاب مؤهلات، إلى “جيش دليفري”، فالمسألة لم تعد مرتبطة بتطور التكنولوجيا أو تغير أنماط الاستهلاك كما يروج البعض، لكنها تكشف سؤالًا أكثر وجعًا: أين ذهبت فرص الإنتاج الحقيقي؟ وأين المصانع التي يمكنها أن تحتوى طاقة الشباب وتحولها إلى قيمة مضافة، لا إلى أجساد منهكة فوق الأسفلت؟


المأساة ليست في المهنة ذاتها، فكل عمل شريف يستحق الاحترام، لكن الكارثة أن يصبح هذا هو الأفق الوحيد لجيل كامل. خريج الجامعة، وصاحب الحلم، والولد الذي باعت أمه ذهبها ليكمل تعليمه، يجد نفسه في النهاية يطارد “أوردر” كي يسدد قسط الموتوسيكل وثمن البنزين وكوب الشاي آخر الليل. 


الدولة التي كانت تعد أبناءها بالصعود الاجتماعي عبر التعليم، أصبح كثير من أبنائها يكتشفون أن الشهادة معلقة على الحائط، بينما المستقبل معلق فوق صندوق توصيل.


الرأسمالية الحديثة لا تأتي دائمًا بوجه قاسٍ وصريح، أحيانًا ترتدي ملابس أنيقة وتتحدث بلغة براقة عن الحرية والمرونة والعمل الحر. يقولون للشاب: "أنت مدير نفسك". بينما الحقيقة أنه موظف بلا حقوق، وعامل بلا تأمين، وإنسان يمكن استبداله بضغطة زر. 

التطبيق لا يعرف اسمه ولا أسرته ولا أحلامه، يعرف فقط سرعة التوصيل وتقييم العميل. وإذا سقط تحت عجلات سيارة، يتحول في ثوانٍ إلى حساب غير نشط.


وهنا يظهر الوجه الأكثر قسوة في الاقتصاد المعاصر؛ شركات عملاقة تحقق المليارات دون أن تتحمل الحد الأدنى من المسؤولية الإنسانية تجاه من يصنعون أرباحها. الشباب يتحملون تكلفة البنزين والصيانة والحوادث والمخاطر، بينما الأرباح تصعد إلى الأعلى باردًا ومنظمًا وهادئًا، كأن العرق الذي يسيل في الشوارع لا يخص أحدًا.


والأخطر أن الظاهرة تكشف تغيرًا عميقًا في بنية المجتمع نفسه. فهناك طبقة قادرة على الاستهلاك المستمر، تطلب كل شيء بضغطة هاتف، وطبقة أخرى تتحرك طوال اليوم كي تخدم هذا الاستهلاك. كأن المجتمع انقسم إلى من يجلسون خلف الشاشات، ومن يركضون في الشوارع. وبين الاثنين تتآكل الطبقة الكادحة التي كانت يومًا عماد الاستقرار.


المؤلم أن هؤلاء الشباب ليسوا مجرد أرقام اقتصادية، بل أرواح تُستنزف يوميًا في صمت. كم شابًا عاد إلى بيته مصابًا لأنه كان يحاول توصيل طلب في أسرع وقت؟ كم أمًّا تنتظر ابنها كل ليلة وهي تخشى مكالمة مجهولة؟ كم أبًا يخفي قلقه وهو يرى ابنه الجامعي يعمل أربع عشرة ساعة ليعود آخر اليوم ببضعة جنيهات بالكاد تكفي؟


هؤلاء ليسوا هامش المجتمع، بل قلبه الحقيقي. هم الذين يدفعون ثمن الغلاء، وثمن حكومة لا هم لها سوى الجباية، وثمن اقتصاد يميل إلى الاستهلاك أكثر مما يميل إلى الإنتاج. هم الذين يسمعون كل يوم خطابات عن التنمية، بينما لا يشعرون من التنمية إلا بزحام الطرق التي يجرون فوقها.


السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: هل تمتلك الدولة إحصاءً حقيقيًا لهؤلاء؟ هل تعرف أوضاعهم الصحية والاجتماعية والنفسية؟ هل تفكر الحكومة في تشريع يحميهم؟ أم أن المسألة تُترك كاملة للسوق، باعتبار أن السوق “ينظم نفسه بنفسه” حتى لو التهم البشر؟


لا يمكن لأي دولة أن تنهض بينما شبابها يتحولون إلى وقود مؤقت لاقتصاد هش. النهضة الحقيقية تبدأ حين يعود الإنتاج إلى مكانه الطبيعي؛ حين تصبح الصناعة والزراعة والتكنولوجيا أولوية، لا مجرد شعارات. تبدأ حين يشعر العامل البسيط أن الدولة تراه، لا أن تراه التطبيقات فقط على الخريطة.


الناس لا تريد المستحيل. تريد فقط عدلًا بسيطًا. تريد اقتصادًا يُبنى من أفواه المتعبين لا من تقارير المكاتب المكيفة. تريد قرارات تُصنع من صرخة العامل، لا من رفاهية من شبعوا حتى فقدوا القدرة على الإحساس بالجوع. مصر ليست فقيرة في شبابها، لكنها تُهدر شبابها.

وبين دولة تبحث عن النمو، وشركات تبحث عن الربح، يقف ملايين الشباب على حافة الطريق، يطاردون لقمة العيش فوق عجلتين، بينما أعمارهم تتآكل مع كل إشارة مرور.. وحدها الدول التي تسمع أنين البسطاء قبل أن يتحول إلى غضب، هي التي تنجو.

الجريدة الرسمية