نعمة لا ندركها إلا بعد زوالها!
الأب كان -ولا يزال- المعنى الأكثر صدقًا لفكرة السند والأمان وليس رمزًا للسلطة كما في الوعي القديم.. فالطفل لا يرى في أبيه مجرد رجل يعيش معه في البيت، بل يرى فيه العالم كله؛ يرى القوة حين يمسك يده، والأمان حين يعود مساءً، والهيبة حين يرتدي قميصه الواسع أو يحاول السير في حذائه الكبير فيتعثر من صغر قدميه.
كانت الأشياء الصغيرة المرتبطة بالأب تمنح الطفل شعورًا بالعظمة؛ نظارته تبدو حكمة، وصوته يبدو يقينًا، وخطواته تبدو طريقًا لا يضل.. لكن المأساة الإنسانية تبدأ حين يكبر الابن، فينسى كيف كان ضعيفًا بين يدي أبيه.
تتغير الأذواق، وتتبدل اللغة، ويأتي زمن يظن فيه بعض الأبناء أن الأب قديم الطراز، وأن نصائحه عبء، وأسئلته تدخل، وقلقه تضييق للحرية. بينما الحقيقة أن الأب لم يتغير كثيرًا؛ الذي تغير هو قلب الابن حين زاحمت الماديات روحه، وحين أقنعته الحياة السريعة أن الاستقلال يعني القسوة، وأن التحرر يبدأ بالتخلص من سلطة العائلة.
وكم من أبٍ عاد إلى بيته منهكًا، يحمل هموم الرزق والديون وضغوط الحياة، ثم أخفى كل ذلك خلف ابتسامة لطفله الصغير! كم من أبٍ اقتطع من راحته وصحته ليشتري لابنه شيئًا تافهًا ظنه الابن يومًا حقًا مكتسبًا!
وكم من آباء عاشوا سنوات طويلة لا يطلبون من أبنائهم شيئًا سوى كلمة طيبة، أو جلسة قصيرة، أو سؤالًا صادقًا: كيف حالك يا أبي؟ إن الإنسان حين يكون صغيرًا يُغفر له ضعفه، لأنه لا يدرك. أما حين يكبر ويقسو على والديه، فإنه لا يظلمهما فقط، بل يهدم جزءًا من إنسانيته هو.
وقد لفت القرآن النظر إلى هذه الحقيقة النفسية الدقيقة حين قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
تأمل كيف ربط القرآن بين العبادة وبر الوالدين، ثم خصّ مرحلة الكِبَر تحديدًا؛ لأن الشيخوخة تُعيد الإنسان ضعيفًا كما كان طفلًا. الأب الذي كان قويًا يصبح بطيء الحركة، كثير السؤال، ضعيف السمع، سريع النسيان. وهنا يأتي اختبار الأخلاق الحقيقي: هل يحتمل الأبناء ضعف والديهم كما احتمل الوالدان ضعفهم في الصغر؟
وفي الواقع، فإن كثيرًا من الأزمات الأسرية الحديثة لم تنشأ بسبب الفقر، بل بسبب تراجع قيمة البر والرحمة. فدور الرعاية الممتلئة بكبار السن، والآباء الذين يعيشون الوحدة رغم وجود الأبناء، ليست ظواهر اقتصادية فقط، بل علامات على خلل عاطفي وأخلاقي عميق.
لقد أنتجت الحياة المادية جيلًا يقيس كل شيء بالمنفعة السريعة، حتى العلاقات الإنسانية أصبحت عند بعض الناس مرتبطة بما يقدمه الآخر لا بما قدمه طوال عمره. ورغم ذلك، فإن التاريخ والواقع مليئان بمواقف تُعيد التوازن إلى المعنى الحقيقي للبر.
فقد رُوي أن رجلًا حمل أمه العجوز في الطواف حول الكعبة، ثم سأل عبد الله بن عمر: “أتراني جزيتها؟” فقال: “ولا بزفرة واحدة من زفرات الولادة”. لأن الوالدين حين أعطيا، لم يكونا ينتظران المقابل.
وقال النبي ﷺ: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة». وفي الحديث الآخر: «أنت ومالك لأبيك».
ولم يكن المقصود إلغاء شخصية الابن أو حقوقه، وإنما بيان عِظم حق الأب الذي أفنى عمره في التربية والرعاية.
وبر الوالدين لا ينتهي بالموت. فالإنسان البار لا ينسى أباه وأمه بعد دفنهما، بل يبدأ نوع آخر من الوفاء؛ الدعاء، والصدقة، وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما. وقد سأل رجل النبي ﷺ: “هل بقي من بر أبويّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟” فقال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما».
إن الحياة دائرة تدور على الجميع. فالابن الذي يضيق اليوم بضعف أبيه، سيأتي عليه يوم يضعف فيه، ويحتاج إلى من يصبر عليه. ومن يزرع القسوة يحصدها، ومن يزرع الرحمة تعود إليه يومًا رحمةً وسندًا. ولهذا جاء المعنى العميق في الأثر المشهور: “بروا آباءكم تبركم أبناؤكم”.
فالبر ليس مجرد واجب اجتماعي، بل قانون أخلاقي يحفظ تماسك الأسرة واستمرار الرحمة بين الأجيال. وما أصدق القول: إن البر لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت.
فإذا كان العالم كله قد يتخلى عن الإنسان في لحظة سقوطه، فإن قلب الأب يظل -حتى آخر العمر- المكان الوحيد الذي يسامح قبل الاعتذار، ويخاف قبل الشكوى، ويحب بلا شروط. ولهذا لا يعرف قيمة الأب حقًا إلا من فقده، وعاد يومًا إلى البيت فلم يجد ذلك الصوت الذي كان يملأ المكان طمأنينة وحياة.
