رئيس التحرير
عصام كامل

مظالم العباد! (1)

18 حجم الخط

كثير من الناس يظنون أن الذنوب كلها سواء، وأن الحج أو الصلاة أو الصيام كفيلة بمحو كل شيء دفعة واحدة، حتى حقوق البشر وآلامهم ودموعهم. وهنا يقع الخلط الخطير بين حق الله الذي مبناه على العفو والمغفرة، وحقوق العباد التي مبناها على العدل والقصاص وردّ المظالم.


إن الله سبحانه قد يغفر لعبده تقصيره في حقه إذا تاب وأناب، لكنه لا يترك حقوق الناس تضيع؛ لأن المظلوم نام وهو يبكي، والمقهور عاش وهو يتألم، والمغتاب شُوّهت سمعته، والمحروم أُكل حقه، والمكسور كُسر قلبه بسبب ظلم إنسان لإنسان.


قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، فالظلم عند الله ليس حدثًا عابرًا، بل قضية مؤجلة ليوم عظيم، يوم تُفتح فيه ملفات القلوب والحقوق والدموع والكلمات والنيات.


الظالم ليس وحده في دائرة الحساب، فالقرآن لا يحمل الإثم للظالم وحده، بل لكل من شارك في صناعة الظلم ولو بالصمت أو التبرير أو التشجيع.. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.


فالذي يقوّي الظالم، أو يصفق له، أو يخيف الناس منه، أو يبرر أفعاله، أو يقنع المظلوم أنه المخطئ، أو يصمت عن الحق خوفًا على مصلحته.. كل هؤلاء ليسوا أبرياء كما يظنون. بل حتى من يصدق الأكاذيب دون تثبت قد يكون شريكًا في الأذى والبهتان.


قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وفي الحديث الشريف: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قالوا: يا رسول الله، ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم فذلك نصره». أخطر ما يستهين به الناس: مظالم العباد.

 

كثيرون يخافون من ترك الصلاة، لكنهم لا يخافون من كسر قلب إنسان. ويرتعبون من الإفطار في رمضان، لكنهم لا يرتعبون من الغيبة والنميمة وأكل الحقوق وتشويه السمعة والخيانة والكذب. مع أن النبي ﷺ بيّن أن الإفلاس الحقيقي ليس قلة المال، بل كثرة المظالم.. 

بقوله ﷺ: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار».

إنها لحظة مرعبة.. إنسان ظن أن عباداته ستنجيه، فإذا بحسناته تُوزع على من ظلمهم واحدًا واحدًا، حتى يفلس تمامًا يوم القيامة.. فهل يدرك من يعتدون على حقوق الناس أن الله سيتجاوز عنهم دون رد الحقوق لأصحابها والتحلل من تلك المظالم؟!
وللحديث بقية

الجريدة الرسمية