رئيس التحرير
عصام كامل

النسخة الأليفة من ترامب!

18 حجم الخط

انتهت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، ولم تنته بعد ولفترة وجيزة قادمة التحليلات، الاقتصادية والسياسية، من الرابح أكثر ومن الخاسر أكثر، لكن سيبقى التركيز طويلا على الجانب النفسي من الزيارة وأسلوب التعامل والمقابلة الأولى بين رئيسين عملاقين. 

الأول ترامب يجتهد بكل الجبروت والإيماءات إلى ترسيخ مفهوم الهيمنة وأن بلاده لاتزال بلا منافس، والثاني شي جين بينج هادئ وقور واثق أنه سبب قوي لخلق إحساس بعدم الارتياح لدى ترامب، وأن الصين تمضي بثبات لترسيخ توازن دولي يعيد ترتيب المكانات والنفوذ. 

 

وإذا كان هناك تعبير بات يتردد كثيرا في تحليل الصراعات العسكرية والسياسية هو الجيوسياسي، فإن من الممكن القول أن المشهد الجيونفسي كان ذا دلالات كاشفة بل فاضحة لرؤية كل من الزعيمين للأخر ولنفسه وللدولة التى يمثلها.. 

 

لن نتطرق إذن إلى الصفقات التجارية، ولا إلى ملف تايوان ولا حرص ترامب ورجاله علي التأكيد أنه لم يطلب أي عون من بكين للضغط علي ايران لفتح هضيق هرمز.. سنركز فقط علي الطريقة التى تعامل بها الزعيم الصيني شي جين بينج ونزع بها أظافر وأنياب المتنمر ترامب. يتحدث معلقون كثيرون في الإعلام الأمريكي عن النسخة المستأنسة من دوني -دونالد- فأين ذهب المتنمر، وكيف أخضعه التنين، وكيف صار ترامب أليفا ودودا مهذبا.. 

 

لم يذهب الزعيم الصيني إلى المطار لاستقبال ضيفه، رئيس أقوى دولة في الكوكب، بل انتظره في الساحة أمام سلالم قصر الشعب، وهذا بالتأكيد متفق عليه، وليس استهانة بالضيف، والضيف نفسه يستقبل زواره في البيت الأبيض بواشنطن، وليس في المطار. 

 

ينزل ترامب من السيارة السوداء فتح الباب لنفسه، هندم بدلته، قفل الزراير، البدلة كحلي والكرافت أحمر، لون ربطة العنق لها دلالة عاطفية أو عدائية، في هذا اللقاء اللون أحمر دليل الدفء، وربما دليل التحفز. والقوة، أما اللون السماوي فلون التقبل والوداعة، وفي كل الصور والفيديوهات سنجد ألوان الربطات تغيرت مع شيوع الحفاوة والود المتبادل بين الرئيسين.. 

 

شد ترامب قامته وضرب جسم السيارة عند الفانوس الخلفي الأيسر مرتين واستقام ومضي بخطوات ثابتة إلي حيث وقف الرئيس الصيني في مكانه لم يتقدم إليه خطوة واحدة! بدأ ترامب في هذا المشهد كأنه موظف يهندم ملبسه قبل أن يطرق الباب على مستخدمه، فإذا مثل أمامه كان وديعا مطيعا.. 

 

خطوة واحدة نحو ترامب لم يفعلها المضيف، ومد ذراعه اليمين فقط ليستقبل كف ترامب الذي شد على الكف الصيني، وملتمسا الود عاد ليضع كفه مرة أخري علي كف تشي، الذي لم تتسع ابتسامته مللي واحد عما هو مطلوب ومكتوب، ولا حتى حرك ذراعه الأيسر، إنما تصلب كعمود لا ينحني!

 

هذه اللغة الجسدية منذ اللحظة الأولي حققت أهدافها ورسمت مسار التعامل بين الرجلين طيلة مدة الزيارة، سواء في لقاءات التفاوض الرسمية داخل الجدران أو في لقاءات التباحث تحت الشجر في الحديقة، يذكرنا ذلك بمفاوضات الحد من الأسلحة النووية الخيار صفر أيام دونالد ريجان وبريجنيف الزعيم السوفيتي الراحلين، كانت الوفود تختار التفاوض في الخلاء وسط الشجر تجنبا للتجسس المتبادل! 

 

لم يستطع ترامب إذن أن يتنمر، كعادته مع خصومه وضيوفه إذ يقهرهم نفسيا ويهيمن عليهم في أول طلعة كلام وسط فخ إعلامي منصوب داخل مكتبه، يبدأ بالثناء على ضيفه ثم يداهمه بطلب قاس أو تعبير غير مألوف، بطريقة فجة، وكلنا رأينا واستنكرنا ما فعله في ضيفه الملك الأردني عبد الله، إذا كان فظا ووقحا، وأربك ضيفه بشكل مؤسف.. 

وفعلها مع زيلنسكي رئيس أوكرانيا، بل طرده من البيت الأبيض، وهو يفعلها مع زعماء أوروبا ويستهزئ بهم، ويضع ذراعه على كتف ماكرون ليشي له بأنه تحت هيمنته! 

مع زعيم الصين تأدب ترامب وتعامل بكياسة، وظل التنين الصيني وقورا مبتسما قدر الضرورة.. يستضعف ترامب من يراه مزعزع النفس فيزلزله.. موقف الزعيم الصيني راسخ رسوخ قوة الاقتصاد الصيني ومكانة بكين الدولية.. مع بكين، مع موسكو، مع بيونج يانج كوريا الشمالية نرى فقط هذه النسخة المستأنسة الأليفة من التاجر السياسي دونالد ترامب.. ونتابع

الجريدة الرسمية
عاجل