لا حرب لا سلم!
يصعب على أي محلل سياسي وضع صورة كافية شافية لمشهد عسكري شديد السيولة، ويتبقى لمن يتابع ويرصد أن يفكك أجزاء منها بالغة التشابك والتعقيد على جانبي الخليج، وفي المدى الأبعد في أرجاء الاقليم..
وحيث إن السيولة السياسية في المشهد طولا وعرضا مستمرة والجمود العسكري قائم، أشبه باللا حرب واللا سلم، وأقرب إلى الحرب الباردة، فإن العين ترصد حرص الطرفين الأساسيين في المواجهة، طهران وواشنطن على تجنب المواجهة..
ولدي كلا منهما دواعي التفادي ومبرراته، فعلى الجانب الأمريكي، لا يكفي مبررات ساقها مضخة الكلام اليومية دونالد ترامب من أنه اكتشف أن الحصار الذي يخنق به إيران حاليا أقل تكلفة من القصف والنسف، وأنه حل عبقري، وأنه سيمتد ويستمر..
فحقيقة الأمر أن السبب الجوهري للتوقف والتفادي هو أن مخزون الذخائرالأمريكية نفد تقريبا، وأن الجيش استهلك مخزون ست سنوات في ستة أسابيع، بل سحب ترامب منظومات دفاعية وهجومية من حلفاء أساسيين شرقي أسيا، وجنوبها، من الفلبين إلي كوريا الجنوبية، ناهيك عن تايوان التى ترى أنها باتت في خطر محدق أمام غياب الدرع الأمريكي وتربص التنين الصيني..
وترامب على حق وله منطق سليم بوصفه تاجر عقارات ضليع، فهو حسبها بالتكلفة فوجد أن الستة أسابيع كلفت الخزانة الأمريكية 25 مليار دولار ومخزونات السلاح والذخائر تقلصت وشركات التصنيع تحتاج وقتا طويلا..
ووجد أن الحصار الذي ضربه على جميع الموانئ الإيرانية يمنع إيران من عوائد يتردد أنها حوالي أربعمائة مليون دولار يوميا، وبالتالي فان المنع سيمنع إيران من تمويل اذرعها في اليمن -الحوثيون- وفي لبنان -حزب الله- إيران والله برئ، وفي العراق -الحشد الشعبي- وخلايا نائمة في سوريا من الموالين لها من أيام بشار الأسد..
وهذه لها دور لافت في إعادة البنية القتالية والتسليحية لحزب إيران في لبنان، وهو ما ظهر بجلاء في قرار نعيم قاسم الأمين العام للحزب بإشراك لبنان عنوة في حرب لا ناقة له ولا جمل، بعد أربعة آيام فقط من الهجوم الصهيوني الأمريكي على الأراضي الإيرانية..
لم يكترث ترامب لارتفاع اسعار النفط سريعا فبلغ 117 دولارا، وبلغ سعر جالون البنزين أكثر من أربعة دولارات، وهو حين يقول إن الحصار سيطول فإنه يدفع بأسواق الطاقة إلي حافة الجنون.. ونلاحظ أنه تزامن تقريبا انفصال الامارات عن أوبك وأوبك بلس بعد عقود في المنظمتين الدوليتين، مع تصريح ترامب أنه أمر الجيش بالاستعداد للبقاء شهورا في محاصرة السواحل الإيرانية..
انسحاب الإمارات يؤدي بالضرورة وهي ثالث أهم منتج للنفط في الخليج إلى ارتباك وتنافس في خفض الأسعار.. وهو ما يتوافق مع إحتياج ترامب، لا نقول إنه اتفاق، بل توافق له ظلاله، وفي العموم فإن كل دولة تصنع ما يحقق مصالحها الخاصة..
ونقول: إن ترامب لن يمكنه الاستمرار في الحصار لأكثر من شهر أوشهرين، لأن صرخات الناخبين الأمريكيين ستعاقبه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر، بعد أربعة أشهر، ومن ثم فإن رهانه على استسلام إيران بالخنق المالي والاقتصادي مرتبط بهذه المدة في أقصاها..
ومن المفارقات على الجانب الآخر أن إيران هي الأخرى تراهن على أنه سيصرخ أولا، فهي تمارس لعبة كسب الوقت كما يلعبها ترامب، فالوقت يؤلم الاقتصاد العالمي، وبالأخص الأوروبي، كما هو مؤلم للإيرانيين، وهم يتعللون بأن الحصار إرث تقليدي تعودوا عليه لعقود..
قبل يومين قدمت طهران عرضا بالفتح المتبادل، افتح الحصار افتح لك المضيق، رفضه ترامب، فقدموا له أمس عرضا آخر للسلام كما وصفوه، وهم يعرفون أن ترامب سيرفضه غالبا، والطرفان معا يمارسان فضيلة كسب الوقت للتجهيز والتصنيع..
يحدث ذلك كله رغم أن أمريكا يمكنها الانسحاب بهدوء مدعية الانتصار، وإيران تفتح المضيق وتدعي الانتصار، ويبقي على العرب أن يلملموا خسائر حرب فرضها الحليف والجار والعدو عليهم، ثلاثي متآلف على نحو مريب..
ونتابع..
