كارت شحن الغضب!
لم يعد من المفيد ولا الفعال ولا الضروري أن تصرخ أو تغضب أو ترفض. لم يعد من العقل أن تدهش أو تتساءل عن الأسباب، فذلك يذهلك أو يصيبك بارتفاع حاد صاروخي في ضغط الدم، ذلك أن الحكومة عرفت كيف تقنعك بأنك البقرة الحلوب، وبأن جيبك ملئ بالذهب والياقوت وآنك مواطن تدعي الفقر، وأن ملابسك المهلهلة وهيئتك المبهدلة، ووجهك العابس هذا، ليست الإ أدوات ممثل في دور عبقري..
بالأمس زادوا فجأة أسعار الباقات والكروت والمكالمات، بموافقة جهاز لا نعرف لمن يعمل صالحا، للمواطن أم لشركات تستغل المواطن. أبشع استغلال، وقبل الأمس رفعوا أسعار البنزين ثلاثة جنيهات دفعة واحدة، وصار الناس يتباعدون لأنهم يحسبونها الآن باللتر والمتر، ذهابا وإيابا، فبلاها زيارة وبلاها الأهل وبلاها العلاقات الاجتماعية..
البنزين نعرف ظروف رفعه، وأنها ظروف قاهرة، ونتحمل حتى يهدأ الجنون الأمريكي الإيراني، لكن ما دخل ترامب بكروت الشحن وباقات النت.. أربعة شركات تتفنن في استغلال المواطنين فترفع الأسعار بمباركة جهاز الاتصالات الذي من مهمته أن يحمي مصالح الطرفين، مستخدم الخدمة أولا ومقدم الخدمة ثانيا..
هذا الجهاز يظهر فقط عند الرفع، ولا يظهر طول الوقت حين تكون الإشارة غائبة، أو مختفية أو مقطوعة أو المكالمة في عز الحرارة والحرج فإذا بالخط ينقطع فتطلب ثانية وثالثة، فيقول لك ببجاحة ووقاحة وبرود هذا الرقم خارج الخدمة..
أو تتلقى صفارة طويلة أو صمت الموتى لماذا، لماذا يحدث أن ينقطع الخط دوما عند النقطة الحرجة في مكالمة تتعلق بحياة أو موت أو مصلحة أو كلمة حلوة، كأنما هنالك من يترقبك ويراقبك ويتنصت، وكثيرون منا يتعرضون لمثل هذه اللحظات الحرجة مرضا أو حبا، بزنس أو مصالحات..
تشحن الخط وتدفع الفاتورة، ويتصل بك أحدهم فيجد الخط مغلقا، ويعاتبك أنك لا ترد، ولو كان القائم بالاتصال السيدة الزوجة فأنت في موضع الريبة، لماذا أغلقت التليفون، أين كنت ومع من وتحقيق وشجار سببه أن الشبكة واقعة حيث كنت!
ثم النهب العلني غير المبرر لباقات النت.. ما من باقة الإ وتنفد في اليوم الثاني عشر، تدفع 400 جنيه. وربما أكثر، أو أقل قليلا، فاذا بك تضطر جبرا ورغما وقسرا وإكراها إلى إعادة شحن النت فاذا بك تدفع مرتين، 800 جنيه، وهناك من يدفع ألف جنيه ولو دخلت في نقاش مع خدمة العملاء ستجد نفسك تهت في صحراء مصر الغربية، يتشتت عقلك ويضطرب قلبك وتشتري دماغك بالسكوت القهري..
يحدث ذلك للمواطنين الذين انتخبوا برلمان له غرفتان، النواب والشيوخ، وخلقت البرلمانات لمحاسبة الحكومة ومراقبتها ومساءلة موظفيها الكبار وسحب الثقة منها إن عجزت عن الوفاء بالحقوق الدستورية لمواطنيها. عندنا البرلمان يتفرج علي نهب الناس. نهبا سافرا سافلا، ولن تجدي عشرات الأصوات المعارضة التى تحتج وتنبه وتزأر في مواجهة أغلبية مكبرة دماغها.
راجعوا موقفهم المخجل من قانون المعاشات.. ومن أصحاب المعاشات ومدى مساءلة جمال عوض رئيس التأمينات.. من يدافع عن الناس إن غاب صوت النواب؟ وإلى متى سيحتفظون بالمجلس بعيدا عن البث المباشر؟
لماذا لا تذيعون الجلسات ليعرف الناس من قصر ومن أعطى ممن اختارهم ليمثلوا مصالحه؟ أن تترك الحكومة مواطنيها تحت ضغط الشركات والتجار. فهذا طريق مهلك.. سوابق مثل هذه شحنت الصدور.. وهذه المرة من العار بل من المضحك المبكي أن تكون الشرارة ناجمة عن كارت شحن!
