في حضن التنين
نكتب والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يزور حاليا التنين الصيني الوقور المبتسم، وتستمر زيارته ثلاثة أيام وبصحبته وزراء معنيون، وخمسة عشر رجلا من كبار التنفيذيين لكبرى الشركات الأمريكية، بينهم إيلون ماسك صاحب تسلا وغيرها من مبتكرات هذا المجنون المعجون بالمال والعلم والخيال والمغامرة. المحسوبة!
هذه الزيارة تجيء بعد تسع سنوات، ففي ولايته الأولى، زارت النسخة الأولى من ترامب بكين عام 2017، ولم يزرها من بعده جو بايدن، النائم على نفسه أبدا كما ينعته ترامب هازئا مستهزئا.. طوال مدته الأولى والآن في الثانية اعتبر ترامب الصين خصما رئيسيا ومنافسا عملاقا للولايات المتحدة..
وفي الاستراتيجية الأميركية صنفت الصين العدو الرئيسي لواشنطن، فبذلك حلت محل روسيا. يذهب ترامب إذن إلى موطن دولة يعتبرها عدوا له ولبلاده، وفشلت معها كل ضغوطه الجمركية، وهو إذ يذهب فإنما يتعلل بأنه والرئيس الصيني شي جين بينج صديقان ويراه رجلا حكيما وبينهما كيمياء..
ويل لمن تخاصمت كيمياؤه مع كيمياء وفيزياء وأحياء المخلوق المتفرد شكلا ومضمونا وسيولة.. المدعو ترامب.. الحرب التجارية هي الملف الأصعب، لأنه يشتمل على تعديل الفائض التجاري بين الاقتصادين الأكبر في العالم..
فقد تراجع حجم التبادل التجاري بين الدولتين إلى 559.74 مليار دولار تقريبا العام الماضي أي بنسبة 18.7% عن عام 2024.. ويراه الاقتصاديون في أدنى مستوياته منذ خمس سنوات بسبب الرسوم الجمركية والتوترات المستمرة بين واشنطن وبكين..
تصدر الصين إلى الولايات المتحدة منتجات بقيمة 308,3 مليار دولار، هواتف ذكية طبعا وأجهزة كمبيوتر وبطاريات الليثيوم والملابس والأحذية ولعب وألعاب، الأطفال. وتبيع أمريكا للصين فول الصويا والقطن والذرة والأخطر من هذا كله أشباه الموصلات أي الرقائق الإلكترونية، اللازمة لتكنولوجيا المعلومات بل والصواريخ..
ومنبعها الأساسي فضلا عن أمريكا تايوان حليف أمريكا وعدو الصين، التي تعتبرها الأخيرة جزءا مارقا من الأم، قيمة ما باعته أمريكا للصين إذن 106 ,3 مليار دولار.. ورغم تباين المواقف والأهداف بين أكبر اقتصادين في العالم لكنهما يجدان أن المصالح التجارية يمكنها التغلب على الخلافات السياسية..
فهنالك خلافات جوهرية حول تايوان ورقة الضغط الأمريكية التى تبرزها واشنطن من وقت لآخر، الوجود الصيني في بحر الصين الجنوبي، مناوشات الصين مع الفلبين، الدور الصيني الصامت لمساعدة إيران.. مساعدات بكين لموسكو في الحرب علي أوكرانيا..
ملفات ضخمة معقدة، لكن لغة المصالح أعلى وأبقى.. في نهاية أفق الرؤية الأمريكية تبقي الصين المهيمن القادم على الساحة الدولية، ويتعين على ترامب ومن يخلفه تعطيل الوثبة الصينية الوشيكة.. تنفق الصين ملياراتها في البناء والاستثمارات في أفريقيا وغيرها، وتنفق واشنطن مليارات المليارات في حروب لصالح إسرائيل..
وليس حقيقيا أن حرب إيران كلفتهم تسعة وعشرين مليارا، بل بلغ الوجع الضخم على الاقتصاد الأمريكي ما قيمته تريليون دولار.. كذلك تبقى الترسانة العسكرية الصينية تنينا راسخا متزايدا، بينما تحتاج أمريكا ست سنوات لتعويض مخزونها من الصواريخ والذخائر، استنفدتها في إمداداتها لإسرائيل لتقتل شعب غزة وتدمرها تدميرا، وفي إمداداتها لزيلنسكي ضد موسكو، وللحرب على ايران..
المفاوضات مستمرة، والضغوط متبادلة، واتفاقهما رحمة، واختلافهما نار على الاقتصاد العالمي، فهل ينجح شي جين بينج رئيس الصين في الضغط على إيران ليفتح مضيق هرمز؟ عندئذ سيكون الفضل لبكين وليس ترامب.. لنتابع دراما المال والسياسة والموت.
