رئيس التحرير
عصام كامل

الإعلام مساءلة وتنوير وليس مجرد تبرير!

18 حجم الخط

ليست المشكلة في أن يخرج مسؤول بتصريح يلامس وجع الناس، بل في أن يظل هذا الوجع حبيس الكلمات دون أن يتحول إلى مسار إصلاحي واضح.. من هنا تكتسب تصريحات دكتور ضياء رشوان أهميتها، لا لأنها كشفت جديدًا خافيًا، بل لأنها وضعت إصبعها على جرح يتسع يومًا بعد يوم في واقع معيشة المواطن.


وقد أثار ضياء رشوان جدلًا واسعًا حين قارن بين الأسعار والأجور في مصر وفرنسا، مشيرًا إلى أن بعض السلع في مصر تقترب من مستوياتها عالميًا، بينما تظل الأجور بعيدة عن هذا المستوى، كاشفًا بذلك عن اختلال حقيقي في معادلة الدخل والإنفاق، وهي الحقيقة التي يعيشها المواطن يوميًا قبل أن تُقال على المنصات.


هذه الإشارة تتقاطع مع مؤشرات مقلقة لا يمكن تجاهلها: تراجع استهلاك البروتين الحيواني، اعتماد متزايد على السلع المدعومة، واتساع الفجوة الغذائية، خاصة في الريف وصعيد مصر، بما يعكس تحولات عميقة في نمط الحياة تنذر بتداعيات صحية واجتماعية ممتدة.


غير أن السؤال الأهم ليس: هل أصاب رشوان في توصيفه؟ بل: ماذا بعد هذا التشخيص؟ وهنا تتبدى المعضلة؛ إذ لا يكفي أن يقوم وزير الدولة للإعلام بدور الناقل أو المفسر، بل يفترض أن يكون فاعلًا في تشكيل وعي عام ضاغط نحو الحلول. فالإعلام ليس أداة تبرير، بل أداة مساءلة، ولا منصة تهدئة، بل منبر تنوير ورقابة على الأداء الحكومي والبرلماني معًا.


وفي قلب هذه المعادلة يبرز سؤال لا يقل إلحاحًا: أين الصحفيون أنفسهم؟ فالمفارقة أن من يُفترض بهم التعبير عن معاناة الناس، يعيشون هم أيضًا تحت وطأة نفس الضغوط الاقتصادية، برواتب محدودة وبيئة مهنية صعبة، ما يضعف قدرتهم على أداء دورهم النقدي المستقل. 

 

وهنا تتسع مسؤولية دكتور ضياء رشوان، لا بصفته وزيرًا فقط، بل كنقيب سابق يدرك جيدًا أن إصلاح الإعلام يبدأ من تحسين أوضاع العاملين فيه ماديًا ومهنيًا، لأن إعلامًا هشًا لا يمكنه أن يكون صوتًا قويًا.


ومن زاوية السياسات، يظل ما طُرح داخل الأوساط العلمية، خاصة في مجال التغذية، مدخلًا عمليًا مهمًا، عبر البحث عن بدائل منخفضة التكلفة لمصادر البروتين والعناصر الأساسية، وهي خطوة تستحق أن تتحول إلى مبادرة وطنية تحظى برعاية حكومية جادة، ربما بقيادة مصطفى مدبولي، لضمان ترجمتها إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

في النهاية، يمكن القول إن ضياء رشوان لامس جوهر الأزمة حين تحدث عن اختلال الأسعار والأجور، لكنه يقف الآن أمام اختبار أكثر تعقيدًا: هل يكتفي بوصف الواقع، أم يسهم في إعادة بناء دور الإعلام ليكون جزءًا من الحل؟


الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه التصريحات مجرد صدى للأزمة، أم بداية حقيقية لاستعادة الإعلام دوره، كقوة وعي ورقابة، في مجتمع يواجه تحديات غير مسبوقة.

الجريدة الرسمية