حليم الذي أبدع وأبكى!
في ذكرى رحيل عبد الحليم حافظ لا نستعيد سيرة مطربٍ عابر، بل نستحضر صوتًا كان بمثابة وجدانٍ حيٍّ لأمةٍ بأكملها، صوتًا خرج من رحم المعاناة ليصير لغةً للفرح والحزن، للانكسار والانتصار، للإنسان حين يضعف وحين يقوى. لم يكن حليم مجرد حنجرة ذهبية، بل كان حالة إنسانية متكاملة، صاغها اليُتم مبكرًا، وصقلتها قسوة المرض، فخرج صوته مشبعًا بصدقٍ نادر، كأنه لا يغني بل يبوح.
عاش الرجل صراعًا مزدوجًا؛ صراعًا مع الحياة التي لم تمنحه رفاه البدايات، وصراعًا مع جسده الذي أنهكته البلهارسيا ثم التهاب الكبد الوبائي سي في زمنٍ لم يكن فيه الطب قد بلغ ما يبلغه اليوم، ومع ذلك لم ينكفئ، بل ازداد اقترابًا من الناس، وكأن الألم كان وقوده الخفي. كان يغني كأنه يختطف لحظات من العمر، يسكبها في قلوب مستمعيه، لذلك لم يكن غريبًا أن يشعر كل واحدٍ منهم أن حليم يغني له وحده.
وحين عصفت بمصر رياح الهزيمة في حرب يونيو 1967، لم يكن الفن ترفًا، بل صار ضرورة وجودية، وهنا ارتقى حليم بدوره من مطرب إلى صوت وطن. لم يكتفِ بمواساة الجرح، بل شارك في تضميده، فغنّى للأمل وسط الرماد، وللثبات وسط العاصفة، حتى صار صوته جزءًا من معركة استعادة الروح.
وعندما أشرق فجر النصر في حرب أكتوبر 1973، لم يكن احتفاله طارئًا، بل امتدادًا لمسيرة طويلة من الإيمان بالقدرة على العبور، فجاءت أغانيه كأنها شهادة وجدانية على رحلة الألم التي انتهت إلى المجد.
ولعل سر خلود حليم لا يكمن فقط في تنوعه، بل في صدقه؛ فقد غنّى للحب فصار لسان حال العاشقين، وغنّى للوطن فصار نبض الجماهير، وتسلل إلى الروح بأناشيد أقرب إلى الابتهال منها إلى الغناء. لم يكن يؤدي الكلمات، بل كان يسكنها، لذلك حين يقول في أحلف بسماها: «أحلف بسماها وبترابها»، لا تبدو جملة غنائية، بل عهدًا حيًّا يُتلى..
وحين يهمس في حاول تفتكرني: «حاول تفتكرني»، يبدو كأنه يكتب وصيته العاطفية للأبد، وحين يصدح في عدى النهار: «عدى النهار والمغربية جاية»، تشعر أن الأغنية ليست وصفًا لوقتٍ يمضي، بل لحالة وطنٍ يترنح ثم يستعيد نفسه.
لقد كان حليم استثناءً في زمنه، وأصبح معيارًا لكل الأزمنة التي تلته، والدليل أن كثيرين حاولوا السير على خطاه، لكن أحدًا لم يستطع أن يكونه، لأنه لم يكن يُقلّد أحدًا، بل كان يخلق صوته من داخله. وهذا هو الفارق بين من يغني ومن يعيش الغناء؛ بين من يؤدي الفن ومن يتحول هو ذاته إلى فن.
وحين رحل، لم يكن المشهد مجرد جنازة، بل كان وداعًا جماعيًا لجزءٍ من الذاكرة، كأن الناس فقدوا صوتًا كان يعبر عنهم حين تعجز الكلمات. ومنذ ذلك الحين، بقي حليم حاضرًا، لا كذكرى، بل كمعيار: كيف يكون الفنان إنسانًا قبل أن يكون نجمًا، وكيف يتحول الفن من مجرد وسيلة للترفيه إلى قوة ناعمة تبني الوجدان وتُرمم الروح.
إن استعادة سيرة عبد الحليم حافظ اليوم ليست حنينًا إلى الماضي بقدر ما هي حاجة إلى المعنى؛ إلى فنٍ صادقٍ يلامس القلوب، وإلى صوتٍ يحمل هموم الناس لا يهرب منها، وإلى فنانٍ يدرك أن الخلود لا تصنعه الشهرة وحدها، بل يصنعه الصدق. ولذلك سيبقى حليم، مهما تغيّرت الأزمنة، حاضرًا في وجداننا، كأن صوته لم ينقطع، وكأن رسالته لم تنتهِ بعد.. إنه حليم الذي يقلده كل المطربين. ولم يقلد أحدا.
