الطاقة المستدامة حلم كل بيت!
لا يمكن أن تكون إجراءات مثل إغلاق المحال مبكرًا أو تقليص الإنارة العامة سوى مسكنات مؤقتة، قد تُفهم في لحظة الأزمة، لكنها لا تصلح كسياسة دائمة. فالدولة التي تسعى لجذب الاستثمار لا يمكن أن ترسل إشارات انكماشية للأسواق.
البديل الحقيقي يكمن في تحسين كفاءة الطاقة: تشجيع الأجهزة الموفرة، تحديث البنية التحتية، وتحفيز القطاع الصناعي على استخدام مصادر بديلة، بما يقلل الضغط على الشبكة دون خنق النشاط الاقتصادي.
ومن ثم فإن في زمنٍ تتكاثف فيه الغيوم فوق خرائط الطاقة، لم تعد الأزمات تُقرأ بوصفها أرقامًا جامدة، بل كاختبارٍ قاسٍ لقدرة الدول على الصمود وإعادة تعريف أولوياتها. وما تشهده المنطقة من توترات، على خلفية التصعيد المرتبط بإيران، لا ينعكس فقط في ميادين السياسة، بل يتسلل إلى قلب الاقتصاد، حيث تقف الطاقة بوصفها عصب الحياة الحديثة، وأخطر نقاط الضعف في آنٍ واحد.
مصر، التي تُنتج نحو ثلث احتياجاتها النفطية وتستورد الباقي بكلفة تلامس عشرات المليارات، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: موارد دولارية تتآكل، وفاتورة طاقة تتضخم، وضغوط خارجية لا ترحم. وهنا، لا يعود الحل في إدارة الأزمة فقط، بل في كسر منطقها من الأساس، عبر الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن التسكين المؤقت إلى البناء المستدام.
أول ما ينبغي على الحكومة أن تدركه هو أن أمن الطاقة لم يعد ترفًا اقتصاديًا، بل هو مسألة سيادة وطنية. ومن هذا المنطلق، يصبح التوسع في الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل.
ليس مقبولًا أن تظل مشروعات عملاقة مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية مجرد إنجاز يُذكر في التقارير، دون أن تتحول إلى نموذج قابل للتكرار في كل بيت وقرية ومدينة. المطلوب هو نقل التجربة من محطة إنتاج إلى ثقافة استهلاك، عبر دعم تركيب الألواح الشمسية للمنازل، وتقديم حوافز حقيقية للمواطنين، سواء عبر التمويل الميسر أو شراء الفائض من الكهرباء المنتجة.
ثم تأتي المعضلة الصامتة: الفاقد. ذلك النزيف الخفي الذي يلتهم ما يقارب ثلث الإنتاج بين تسريب وسرقات. إصلاح شبكات التوزيع لم يعد خيارًا فنيًا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية. فكل كيلوواط مهدور هو استيراد إضافي، وكل سرقة غير مُحاسبة هي رسالة سلبية تهدم فكرة العدالة وتُضعف ثقة المستثمر. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب حزمًا قانونيًا، وتكنولوجيا رقابية حديثة، وإرادة لا تساوم في تطبيق القانون على الجميع، دون استثناء.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تنويع مصادر الطاقة يظل حجر الزاوية. لا يكفي الاعتماد على النفط والغاز، بل يجب التوسع في مزيج الطاقة، من الرياح إلى الهيدروجين الأخضر، مع تعزيز الشراكات الإقليمية لتأمين الإمدادات. كما أن إعادة النظر في الاتفاقيات مع الشركاء الأجانب، بما يحقق توازنًا أفضل بين جذب الاستثمار وحماية الموارد، بات ضرورة ملحة في ظل المتغيرات العالمية.
لكن، ورغم مركزية دور الدولة، فإن المواطن ليس مجرد متلقٍ للأزمة، بل شريك في حلها. فترشيد الاستهلاك لم يعد سلوكًا فرديًا بسيطًا، بل فعلٌ وطني. إطفاء الأجهزة غير المستخدمة، الاعتماد على وسائل إضاءة موفرة، تقليل الهدر في الاستخدام اليومي.. كلها خطوات صغيرة في ظاهرها، لكنها تُحدث فارقًا كبيرًا حين تتحول إلى ثقافة عامة.
الأهم من ذلك، أن مواجهة سرقات الكهرباء لا يجب أن تُترك للحكومة وحدها. فالصمت المجتمعي عن هذه الممارسات يُسهم في تفاقم الأزمة. إن بناء وعي جمعي بأن الاعتداء على الطاقة هو اعتداء على حق الجميع، يمثل خط الدفاع الأول قبل أي إجراء قانوني.
في النهاية، لا يمكن قراءة أزمة الطاقة بمعزل عن السياق العالمي المضطرب، ولا يمكن حلها بعقلية تقليدية. نحن أمام لحظة فارقة، تفرض على الحكومة أن تفتح “بطن” الملف كما تفضلت، لا لتشخيص الألم فقط، بل لوضع خطة شاملة تعيد بناء منظومة الطاقة على أسس الاستدامة والكفاءة والعدالة. وفي المقابل، على المواطن أن يدرك أن الحفاظ على الطاقة لم يعد رفاهية، بل مسؤولية مشتركة.
هكذا فقط، يمكن أن تتحول الأزمة من عبءٍ يثقل كاهل الدولة، إلى فرصةٍ لإعادة البناء.. ومن تهديدٍ يلوح في الأفق، إلى بدايةٍ أكثر توازنًا وأمانًا لمستقبل هذا الوطن.
ويبقى سؤال يردده البعض: هل حان الوقت في هذه المرحلة الصعبة لتخصيص سيارة واحدة لكل مسئول بدلا من أسطول السيارات الذي نراه في مواكب المسئولين؟!
