رئيس التحرير
عصام كامل

وعود منسية وحلول خارج الصندوق!

18 حجم الخط

آفة حارتنا النسيان، ليست مجرد حكمة أدبية صاغها نجيب محفوظ، بل مدخلٌ منهجي لفهم خللٍ يتجاوز الذاكرة الفردية إلى بنية تصريحات بعض المسئولين؛ إذ لا يمكن فصل الأزمات الراهنة عن تراكم الوعود السابقة، ولا قراءة الحاضر بمعزل عن تقديرات الماضي. 

 

وحين نستحضر تصريح دكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء بشأن تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية بحلول 2023، فإننا لا نمارس استدعاءً انتقائيًا، بل نؤسس لقاعدة تقييم تقوم على الاستمرارية والمساءلة، لأن أي سياسة عامة تفقد معناها إن لم تُقَس على خط زمني يربط بين ما قيل وما تحقق.


من هنا تتبدى أزمة الطاقة لا بوصفها أزمة موارد فحسب، بل أزمة إدارة وتقدير؛ فالفارق بين التوقع والواقع ليس مجرد هامش خطأ، بل فجوة تعكس خللًا في قراءة المتغيرات أو في بناء السيناريوهات.

 وعندما تتحول هذه الفجوة إلى إجراءات تقشفية مباشرة تمس تفاصيل الحياة اليومية، كفرض مواعيد إغلاق موحدة، فإننا نكون أمام انتقال من خطاب التمكين إلى ممارسة الاحتواء، دون المرور بمرحلة وسيطة تعيد تصميم السياسات بما يتناسب مع المعطيات الجديدة.


وهنا تحديدًا تتجلى أهمية المقترحات التي طرحها الدكتور محمد حسين أستاذ الإدارة والتغيير بجامعة لندن، لا باعتبارها حلولًا جزئية، بل كنموذج تفكير مختلف يعيد تعريف الترشيد من كونه تقليصًا كميًا إلى كونه إدارة نوعية للزمن والطلب. 

 

ففكرة رفض توحيد مواعيد الإغلاق تنطلق من إدراك اختلاف طبيعة الأنشطة، ليُستبدل بها تصور يمنح كل نشاط عدد ساعات تشغيل محدد يختاره وفق احتياجاته الفعلية ويخضع لاعتماد تنظيمي، بما يحقق التوازن بين خفض الاستهلاك والحفاظ على العائد الاقتصادي. 

ثم يمتد هذا المنهج إلى البعد الجغرافي عبر نظام التناوب الزمني بين المناطق، بحيث لا تتحرك الأسواق كلها في توقيت واحد، بل تتوزع الأحمال وتستمر الدورة الاقتصادية دون اختناق أو شلل.


ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعمق في طرح الحصص التشغيلية الأسبوعية كبديل أكثر مرونة من القيود اليومية، بما يسمح لأصحاب الأنشطة بإعادة توزيع ساعات العمل وفق ذروات الطلب الحقيقية، لا وفق جداول مفروضة. 

 

كما يميز الطرح بين طبيعة الأنشطة نفسها، فيمنح القطاعات التي تقوم على النشاط المسائي -كالمطاعم والكافيهات والمولات- نطاق تشغيل يتوافق مع منطقها الاقتصادي، مع تقليص التشغيل الصباحي الأقل جدوى والأعلى استهلاكًا للطاقة، وهو ما يحقق وفرًا فعليًا دون المساس بجوهر النشاط.


ويتسع هذا التصور ليشمل إعادة تصنيف الأنشطة وفق أهميتها، بالتمييز بين ما هو حيوي مرتبط بسلاسل الإمداد والخدمات اليومية، وما هو ترفيهي أو كمالي، بحيث تُصاغ لكل فئة قواعد زمنية مختلفة تعكس وزنها الاقتصادي. 

 

ويكتمل الإطار بإدخال عنصر الحوافز، عبر ربط الالتزام بمعايير الترشيد بمزايا ملموسة، كالتخفيف المؤقت للأعباء أو تسهيلات التراخيص، بما يحول العلاقة بين الدولة والسوق من علاقة فرض إلى علاقة شراكة.


إن الربط المنهجي بين الوعد بالاكتفاء وإجراءات الترشيد الحالية يكشف أن جوهر الأزمة ليس في ندرة الطاقة بقدر ما هو في غياب إدارة ديناميكية لها؛ إذ لا يكفي أن تتغير الظروف، بل يجب أن تتغير معها أدوات الاستجابة. 

 

وإذا كانت السياسات السابقة قد بُنيت على افتراضات لم تتحقق، فإن الاستمرار في تطبيق أدوات جامدة في واقع متغير يضاعف الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، ويفتح المجال لتداعيات غير محسوبة، تمتد من تراجع الإنتاجية إلى الإحساس العام بالاختناق، وربما إلى اختلالات أمنية ناتجة عن إفراغ المجال العام من حيويته في ساعات مبكرة.


ولذلك فإن الإطار الجامع الذي يمكن أن يخدم صانع القرار لا يقوم على المفاضلة بين التفاؤل والتقشف، بل على تأسيس منظومة قرار تتسم بذاكرة مؤسسية لا تسمح بانقطاع التراكم، ومرونة تشغيلية تستوعب اختلاف الأنشطة، وآليات تحفيز تعزز الامتثال بدل فرضه. فالدولة التي تتعلم من فجوة الوعد والواقع، وتعيد هندسة سياساتها وفق هذا التعلم، لا تحتاج إلى إجراءات صادمة بقدر ما تحتاج إلى إعادة توزيع ذكية للموارد.

في هذا السياق، يصبح استدعاء مقولة نجيب محفوظ فعلًا تحليليًا لا أدبيًا فقط؛ لأنه يضع اليد على جوهر المسألة: حين تغيب الذاكرة، تتكرر الأخطاء في صورة قرارات، وحين تُستعاد، تتحول التجربة إلى خبرة، والخبرة إلى سياسة أكثر اتساقًا مع الواقع، وبين هذا وذاك تتحدد قدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التوازن.
فهل يتذكر دولة رئيس الوزراء وعوده عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد البترولية بحلول عام 2023؟!

الجريدة الرسمية