رئيس التحرير
عصام كامل

صوت العقل في زمن الجنون

18 حجم الخط

في زمنٍ تتساقط فيه الأقنعة تباعًا، وتُختبر فيه القيم قبل التحالفات، بدا صوت بيدرو سانشيز رئيس وزراء إسبانيا كأنه آتٍ من خارج السياق الأوروبي المعتاد؛ صوتٌ يرفض أن يُجمّل التناقض أو يُسوّغ ازدواجية المعايير، بل يضعها في مواجهةٍ صريحة مع ذاتها. 

لم يكن خطاب بيدرو سانشيز مجرد اعتراض سياسي، بل كان كشفًا لعطبٍ أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تُدان الحروب حينًا وتُبرَّر حينًا آخر وفقًا لهوية الفاعل لا لطبيعة الفعل. وفي المقابل، جاء صوت أحمد مبارك الخضري عضو مجلس الشورى بسلطنة عمان من فضاءٍ عربي أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل عمقًا، ليؤكد أن الاتزان ليس حيادًا سلبيًا، بل هو موقف واعٍ يرفض الانجرار إلى معارك الآخرين، ويتمسك بسيادة القرار دون ضجيج أو ادعاء.

وبين هذين الصوتين، تتجلى مفارقة موجعة؛ إذ يبدو أن الآخرين باتوا أكثر قدرة على التعبير عن اختلالات النظام العالمي من أولئك الذين يدفعون كلفتها المباشرة. فالعالم العربي، الذي يقف في قلب هذه العواصف، لا يزال عاجزًا عن صياغة موقف موحد، أو حتى الاقتراب من تعريف مشترك لمصالحه وحدود أمنه. 

ليست المشكلة في ندرة الإمكانات، بل في تشتت الرؤية، وفي غياب بوصلةٍ تجمع ولا تفرق، وتحدد الأولويات بدل أن تتركها نهبًا للتجاذبات.

لقد أصبح الخلاف في العالم العربي أكبر من كونه تنوعًا صحيًا، وتحول إلى انقسامٍ يستهلك الطاقة بدل أن يولدها. وفي ظل هذا التآكل الداخلي، تتسع المسافة بين القرار والسيادة، وتتحول التحالفات إلى بدائل عن الإرادة، لا أدوات لخدمتها. 

حين تستورد الدول أمنها، فإنها، بشكلٍ أو بآخر، تؤجل لحظة المواجهة مع ذاتها، وتدفع ثمن ذلك تبعيةً في القرار، وارتهانًا في المصير. وما أظهره الموقف العُماني بوضوح هو أن القوة لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على أن تقول "لا" حين ينبغي، وأن تصمت حين يكون الصمت موقفًا، لا ضعفًا.

في المقابل، يكشف الخطاب الأوروبي الناقد أن داخل المنظومات الكبرى نفسها أصواتًا تدرك حدود الهيمنة، وتخشى من ارتداداتها، وهو ما يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: لماذا لا يمتلك العرب الجرأة ذاتها في نقد اختلالات تمسهم مباشرة؟ لماذا يغيب الصوت الجماعي القادر على تحويل الرفض إلى مشروع، والاحتجاج إلى سياسة؟ 

إن غياب الفكرة الجامعة جعل المواقف العربية أقرب إلى ردود أفعال متفرقة، لا ترقى إلى مستوى الفعل المؤثر، ولا تنجح في فرض معادلة جديدة على طاولة العلاقات الدولية.

إن ما ينقص العرب ليس درسًا في الشجاعة، فقد أثبت التاريخ أنهم أهل لها، ولا درسًا في الحكمة، فقد أنجبت هذه الأرض من التجارب ما يكفي، بل ينقصهم التقاء هاتين القيمتين في لحظة واحدة؛ شجاعة تقول الحقيقة، وحكمة تديرها. 

ينقصهم مشروعٌ يعيد تعريف الذات قبل أن يطالب الآخرين بالاعتراف بها، ويؤسس لوحدةٍ تقوم على المصالح المشتركة لا الشعارات العابرة. فالوحدة ليست بيانًا سياسيًا، بل مسار طويل يبدأ بالاعتراف بالاختلاف، ويمر بإدارته، وينتهي بتجاوزه نحو هدفٍ أكبر.

وحين تتكلم المرايا من خارج الإقليم، كما فعل سانشيز، أو من داخله بهدوءٍ عميق كما فعل الصوت العُماني، فإن الرسالة لا تكون موجهة للآخرين فقط، بل لمن ينظر ولا يرى، ويسمع ولا يُصغي.

فالعالم لا ينتظر من يتأخر عن فهمه، والتاريخ لا يمنح فرصًا بلا نهاية. وبين لحظة الإدراك ولحظة الفعل، تضيع أمم وتنهض أخرى، ويبقى السؤال معلقًا في فضاء عربي مثقل بالتردد: هل نملك شجاعة أن نكون أنفسنا، أم نظل نبحث عن صورتنا في مرايا الآخرين؟

الجريدة الرسمية