رئيس التحرير
عصام كامل

معارك القوى الكبرى يدفع العرب ثمنها!

18 حجم الخط

هناك ضجيج كثيف يملأ المشهد؛ عناوين صاخبة عن ضربات هنا وانهيارات هناك، وسرديات تتنازع تفسير ما يجري بين من يراه نصرًا حاسمًا ومن يراه بداية أفول. غير أن القراءة الهادئة تكشف أن ما يبدو متفرقًا من أحداث، من الخليج إلى فنزويلا، ليس سوى خيوط في نسيج واحد يُعاد نسجه على مهل..

 

حيث تتحرك القوى الكبرى وتحديدا أمريكا لحصار الصين ومنع صعودها لمزاحمة واشنطن على قيادة العالم، وتحركات أمريكا ليست عبثا ولا تخبطا ترامبيا كما يحلو للبعض أن يصوره، ولا هى خبط عشواء بدافع رد الفعل، بل وفق منطق إعادة تشكيل التوازن العالمي. 

 

وبينما تُقدَّم بعض الوقائع باعتبارها انتصارات تكتيكية أو إخفاقات عسكرية، فإنها في العمق قد تكون أدوات ضمن صراع أوسع على الموارد، وعلى طرق التجارة، وعلى من يمتلك القدرة على توجيه الاقتصاد العالمي لا مجرد السيطرة على ميدان معركة.


في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ما يُثار حول تراجع فعالية القواعد العسكرية أو ارتباك التكتيكات بمعزل عن التحول الأكبر: انتقال الصراع من ميادين المواجهة المباشرة إلى مساحات أشد تعقيدًا، حيث تصبح الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات التجارية، أدوات ضغط لا تقل فاعلية عن الصواريخ والطائرات. 

 

فالدولة التي تستطيع التأثير في تدفق النفط، أو تعطيل خطوط التجارة، أو إعادة توجيه الأسواق، إنما تضرب في صميم القدرة الإنتاجية لمنافسها، دون أن تُطلق رصاصة واحدة. وهنا تحديدًا تتبدى خطورة ما يجري؛ إذ لم تعد الحروب تُقاس بحجم الدمار المباشر، بل بقدرتها على إبطاء خصم، أو إنهاكه اقتصاديًا، أو عزله عن شركائه.


ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تزامن أحداث تبدو متباعدة جغرافيًا، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: إعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة والتجارة العالمية. فحين تتعرض مصادر بعينها للاهتزاز، أو تُفرض عليها قيود، أو تُدفع نحو عدم الاستقرار، فإن المستهدف الحقيقي قد لا يكون تلك الدول بذاتها، بل من يعتمد عليها في تشغيل اقتصاده. وهنا يتحول النفط من مجرد سلعة إلى شريان حياة، ويغدو التحكم فيه وسيلة لإعادة توزيع القوة على مستوى الكوكب.


غير أن هذا المسار لا يقف عند حدود الطاقة وحدها، بل يمتد إلى شبكة أوسع من المصالح، في مقدمتها طرق التجارة الدولية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي. فالممرات البرية والبحرية، من آسيا إلى أوروبا، ليست مجرد خطوط نقل، بل أدوات نفوذ استراتيجي. 

ومن ينجح في تأمينها أو تعطيلها، إنما يحدد إيقاع الاقتصاد العالمي. لذلك فإن أي اضطراب في نقاط الوصل الرئيسية، أو في الدول التي تمثل عقدًا في هذه الشبكات، ينعكس مباشرة على توازنات القوى، ويعيد ترتيب أولويات التحالفات.


وفي قلب هذا المشهد، تلوح بؤر توتر مرشحة لأن تكون ساحات الحسم في المرحلة المقبلة، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الجغرافيا السياسية، ويصبح التحكم في سلاسل الإنتاج المتقدمة -كالرقائق الإلكترونية- معادلًا للتحكم في مصادر الطاقة في القرن الماضي. وهنا يتأكد أن الصراع لم يعد فقط على “من يملك”، بل على “من يتحكم في المستقبل”.


لكن السؤال الأهم ليس ماذا تفعل القوى الكبرى، بل ماذا يجب على الدول المتوسطة والنامية أن تفعل في خضم هذا التحول؟ هل تظل مجرد ساحة لتصفية الحسابات، أم تتحول إلى لاعب قادر على تقليل خسائره وتعظيم مكاسبه؟


هل آن الأوان لإعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي ليشمل أمن الطاقة والغذاء والتكنولوجيا، لا الاكتفاء بالأمن العسكري التقليدي؟ وهل يمكن لدولنا أن تقلل من هشاشتها عبر تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار الجاد في البدائل المتجددة، بدل الارتهان لتقلبات الأسواق والصراعات؟ وهل أصبح من الضروري بناء مخزونات استراتيجية، لا من السلع فقط، بل من المعرفة والتكنولوجيا، تحسبًا لانقطاع سلاسل الإمداد في لحظة حرجة؟


ثم ماذا عن الاقتصاد؟ هل نستمر في نماذج تعتمد على الاستيراد والاستهلاك، أم نتحول إلى نماذج إنتاجية أكثر استقلالًا وقدرة على الصمود؟ وهل يمكن بناء شراكات متوازنة مع قوى متعددة بدل الارتهان لمحور واحد، في عالم يتجه بوضوح نحو تعدد الأقطاب؟


وماذا عن السياسة؟ هل نملك رفاهية الانحياز الحاد، أم أن الحكمة تقتضي تبني سياسات مرنة قادرة على المناورة، تحافظ على المصالح دون الانخراط في صراعات لا نملك أدوات حسمها؟ وهل تستطيع النخب الحاكمة إعادة صياغة أولوياتها لتضع الاستقرار الداخلي والتنمية في مقدمة الاعتبارات، بدل الانجراف خلف استقطابات دولية حادة؟


ثم يأتي السؤال الأخطر: هل نحن مستعدون نفسيًا ومؤسسيًا لعالم تتراجع فيه اليقينيات، وتصبح فيه الأزمات أكثر تكرارًا وأشد تعقيدًا؟ أم أننا لا نزال نراهن على عودة نظام دولي مستقر قد لا يعود بالشكل الذي عرفناه؟

إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل مخاض نظام عالمي جديد، تتغير فيه قواعد اللعبة، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكون البقاء للأقوى عسكريًا فقط، بل للأكثر قدرة على التكيف، والأسرع في قراءة التحولات، والأجرأ في اتخاذ القرارات الصعبة.. فهل نمتلك هذه القدرة؟ أم سنكتفي بدور المتفرج على عالم يُعاد تشكيله من حولنا؟

الجريدة الرسمية
عاجل