أمة في خطر
حين سُئل الكاتب والمفكر الكبير أنيس منصور ذات مرة: التعليم رايح على فين؟ جاءت إجابته مختصرة لكنها موجعة: لا رايح ولا جاي.. لم تكن عبارة ساخرة بقدر ما كانت تشخيصًا دقيقًا لأحد أعمق أمراض التعليم في مصر؛ فالمشكلة ليست في نقص الأفكار ولا في قلة المشروعات، وإنما في غياب سياسة تعليمية مستقرة تتجاوز الأشخاص والوزراء والحكومات.
كان أنيس منصور يرى أن الوزير لا يستطيع وحده أن يصنع نهضة تعليمية حقيقية ما لم تكن هناك رؤية وطنية متفق عليها لا تتغير بتغير المسؤولين. وكان يستشهد بالدول المتقدمة التي أرست تقاليد مؤسسية ثابتة تجعل السياسات الكبرى مستمرة مهما تعاقبت الحكومات.
ففي بريطانيا، على سبيل المثال، توجد مؤسسات وقيادات إدارية دائمة تحفظ استمرارية الدولة، وفي الولايات المتحدة هناك فرق بين الإدارة السياسية التي تتغير مع الرئيس، وبين الثوابت الاستراتيجية للدولة التي لا تتبدل بتبدل الأشخاص، هناك مثلا وكيل دائم في كل وزارة يقوم على الحفاظ على ثوابت السياسة في وزارته لا تتغير بتغير شخوص الوزراء!
ولعل واحدة من أكثر الوقائع دلالة على هذه الفكرة ما رواه أنيس منصور عن التقرير الأمريكي الشهير "أمة في خطر"، الذي صدر في ثمانينيات القرن الماضي محذرًا من تراجع مستوى التعليم الأمريكي. وقد رأى منصور أهمية التقرير، فحمله إلى الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك طالبًا منه الاطلاع عليه.
استجاب الرئيس وأحال التقرير إلى الجهات المختصة لدراسته، لكن الرد جاء مطمئنًا أكثر مما ينبغي، وكأن المشكلة لا تستحق القلق. عندها أدرك أنيس منصور أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المشكلة، بل في عدم الاعتراف بها، وأطلق تعليقه الشهير: "خلاص.. مفيش أمل بقى".
والمفارقة أن الأمريكيين لم يكتفوا بإصدار التقرير، بل اعتبروه جرس إنذار وطنيًا. شكلوا لجانًا للمتابعة، واستمروا لعقود في مراجعة أوضاع التعليم وتطويرها. أما نحن فما زلنا ندور في الحلقة نفسها؛ نغير المناهج، ونبدل أنظمة الامتحانات، ونستحدث المسميات، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابة.
إن أزمة التعليم في مصر ليست أزمة كتب أو مبانٍ أو امتحانات فقط، وإنما أزمة فلسفة تعليمية كاملة. فما زالت ثقافة الحفظ والتلقين تطغى على ثقافة الفهم والتفكير. وما زال كثير من الطلاب يبحثون عن الملخص الذي يضمن النجاح السريع أكثر من بحثهم عن المعرفة الحقيقية.
وتحولت الدروس الخصوصية في كثير من الأحيان إلى مؤسسة موازية للمدرسة، بينما يعاني المعلم، وهو حجر الزاوية في أي عملية تعليمية، من تحديات مهنية واقتصادية تؤثر بالضرورة في جودة المخرجات التعليمية.
لقد انتقد تقرير "أمة في خطر" قبل أكثر من أربعين عامًا اعتماد الطلاب على الاختصار والسرعة والابتعاد عن القراءة المتعمقة، وحذر من ضعف التأهيل العلمي للمعلمين وتراجع الجدية في التحصيل. وإذا تأملنا واقعنا اليوم سنجد أن كثيرًا من هذه الملاحظات ما زالت حاضرة، وربما بصورة أكثر حدة مما كانت عليه آنذاك.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل مشكلتنا حقًا في وزير يأتي وآخر يرحل؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير؟ كم خطة تعليمية وُضعت ثم اختفت؟ وكم مشروعًا بدأ بحماس ثم انتهى دون تقييم حقيقي؟ وكم جيلًا دفع ثمن التجريب المستمر؟
إن نهضة التعليم لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى اتفاق وطني على رؤية طويلة الأمد تُعامل التعليم باعتباره قضية أمن قومي لا ملفًا إداريًا عابرًا. نحتاج إلى سياسة ثابتة لا تهتز مع تغير المسؤولين، وإلى معلم مؤهل ومُقدَّر، وإلى مدرسة تعلّم التفكير قبل الحفظ، وإلى نظام يقيس القدرة على الإبداع لا مجرد استرجاع المعلومات.
عندها فقط يمكن أن نجيب عن سؤال أنيس منصور بثقة واطمئنان. أما ما دام التعليم يتحرك بين الاجتهادات الفردية والقرارات المؤقتة، فسيظل السؤال معلقًا: إلى أين يذهب التعليم؟ وهل يملك حقًا وجهة واضحة يسير نحوها؟
