وجوه لامعة وقلوب خاوية!
ما أكثر ما يملكه إنسان هذا العصر، وما أقل ما يملكه من نفسه! لقد بلغ من التقدم ما جعله يلامس الكواكب، لكنه عجز عن الوصول إلى قلبه. ازدادت ثرواته، وافتقرت روحه. اتسعت شوارعه، وضاقت صدره. تكاثرت وسائل الاتصال، وندر التواصل.
نعيش زمنًا اختلطت فيه الموازين؛ فأصبح المال عند كثيرين معيار القيمة، والمظهر عنوان المكانة، والشهرة دليلًا على النجاح. يُغفر للغني ما لا يُغفر للفقير، ويُصفق للقوي ولو كان ظالمًا، بينما يُنظر إلى الصدق والعفة والوفاء كأنها بقايا زمن قديم.
وقد وصف القرآن هذا الداء في كلمات خالدة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. كلمة واحدة تختصر مأساة عصرٍ يلهث خلف المزيد دون أن يسأل نفسه: إلى أين؟
لقد تحوّل الإنسان من سيدٍ للأشياء إلى عبدٍ لها، ومن صانعٍ للحضارة إلى مستهلكٍ نَهِمٍ يطارد اللذة كما يطارد السراب. فامتلأت الأيدي، وفرغت القلوب، وصدق القائل: ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَضِ ولَكنَّ الغِنى غنى النَّفسِ.
وما يخيف حقًا ليس فقر الجيوب، بل فقر الضمائر؛ فالأمم لا تسقط حين تنفد خزائنها، وإنما حين تنفد أخلاقها. ولهذا قال شوقي: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همُو ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
إن أزمة البشرية اليوم ليست أزمة علم ولا تقنية، وإنما أزمة معنى. لقد نسيت كثيرًا من غايتها، وغفلت عن سر وجودها، بينما يذكّرها الله بحقيقتها: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. فلم نُخلق لنجمع الدنيا، بل لنعمرها بالحق والعدل والرحمة.
ولن يبرأ هذا العصر من علّته حتى يعود الإنسان إلى فطرته الأولى؛ فيجعل الأخلاق فوق المصالح، والضمير فوق الشهوة، والإنسان فوق الأشياء. فالحضارة التي تبني الأبراج وتهدم القيم، وتثري الجيوب وتفقر الأرواح، ليست إلا وجهًا براقًا يخفي وراءه خرابًا عظيمًا. ويبقى السؤال: إذا ربح الإنسان العالم كله وخسر نفسه، فماذا ربح؟
أما النجاة فليست في مزيدٍ من الثروة، ولا في مزيدٍ من الاستهلاك، ولا في سباقٍ محمومٍ نحو لذائذ لا تنتهي، وإنما في أن يستعيد الإنسان توازنه المفقود؛ فيعرف لماذا خُلق، وإلى أين يسير، وما الرسالة التي يحملها في هذه الأرض.
أن يعود إلى ربه فيستقيم قلبه، وإلى ضميره فيصحّ ميزانه، وإلى مكارم الأخلاق فتصفو علاقاته، وإلى العمل النافع فتزكو حياته.
فحين يتقدّم الإيمان على الشهوة، والقيم على المصالح، والإنسان على الأشياء، يصبح التقدم رحمة لا لعنة، والثروة نعمة لا فتنة، والحياة رسالة لا مجرد رحلة استهلاك عابرة. عندها فقط ينجو الإنسان من شقاء الروح، ويعثر وسط ضجيج هذا العصر على السكينة التي فقدها، وعلى المعنى الذي يبحث عنه منذ زمن طويل.
