بريق التكنولوجيا وظلام الروح!
حين ننظر إلى عالم اليوم نجد مفارقة مدهشة؛ فالبشرية بلغت من التقدم العلمي ما لم تبلغه أمة من قبل، اخترقت الفضاء، وفككت أسرار الذرة، وأبدعت في الطب والهندسة والاتصالات حتى صار العالم قرية صغيرة تتدفق فيها المعلومات في لحظات.
ومع ذلك، لم ينجح الإنسان في أن يحقق السكينة التي كان ينشدها، ولم تستطع كل هذه المنجزات أن تمنع اتساع دوائر القلق والخوف والاكتئاب والعنف والجريمة والتفكك الأسري والأنانية المفرطة.
لقد ظن الإنسان المعاصر أن العلم وحده قادر على صناعة السعادة، فاكتشف بعد عقود طويلة أن العلم يجيب عن سؤال: كيف؟ لكنه يعجز عن الإجابة عن سؤال: لماذا؟ وأن التكنولوجيا تمنح الوسائل لكنها لا تمنح الغايات، وأن الحضارة إذا فقدت بوصلة الأخلاق تحولت إلى قوة عمياء قد تهدم أكثر مما تبني.
ولهذا جعل الإسلام الأخلاق أساس الرسالة وغاية البعثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ولم يقل لأتمم العلوم أو الصناعات أو الثروات، لأن الأخلاق هي الإطار الذي يوجه كل ذلك نحو الخير. وقد لخص القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقوله جل شأنه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾.
ولم يكن انهيار الأمم عبر التاريخ بسبب نقص الثروات أو قلة الموارد بقدر ما كان نتيجة انهيار المنظومة الأخلاقية. فالظلم حين يستشري يقتل الثقة، والكذب حين يصبح ثقافة عامة يهدم العلاقات، والجشع حين يتحول إلى قيمة اجتماعية يمزق المجتمع، والنفاق حين يصبح وسيلة للترقي يطرد الكفاءة والصدق من الحياة العامة.
ومن هنا نفهم قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. فالإيمان هنا ليس مجرد شعائر تؤدى، وإنما منظومة أخلاقية وسلوكية تنعكس في المعاملات والعلاقات والحقوق والواجبات. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا»، فجعل معيار كمال الإيمان مرتبطًا بحسن الخلق لا بكثرة الادعاء.
وقد نبه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب إلى هذه الأزمة الحضارية مرارًا، مؤكدًا أن العالم المعاصر يعاني أزمة أخلاقية حقيقية، وأن التقدم العلمي الهائل لم يواكبه تقدم مماثل في الضمير الإنساني.
وأوضح في أكثر من مناسبة أن غياب القيم الروحية والأخلاقية عن حركة الحضارة الحديثة أدى إلى انتشار الصراعات والحروب والاستغلال وتفكك الروابط الإنسانية، وأن البشرية اليوم في حاجة إلى استعادة الأخلاق أكثر من حاجتها إلى مزيد من أدوات القوة المادية.
إن المأساة ليست في أن نملك التكنولوجيا، بل في أن تفقد التكنولوجيا بعدها الإنساني. وليست المشكلة في تراكم الثروة، بل في أن تتحول الثروة إلى غاية لا وسيلة. وليست الأزمة في وفرة المعلومات، بل في ندرة الحكمة. فكم من إنسان يحمل بين يديه هاتفًا يوصله إلى أقاصي الأرض، لكنه عاجز عن الوصول إلى قلب أخيه أو مواساة جاره أو صلة رحمه.
لقد أصبح الإنسان المعاصر محاطًا بكل أسباب الرفاهية المادية، لكنه يفتقد كثيرًا من أسباب الطمأنينة. ازدادت وسائل الاتصال، وتراجعت المودة. واتسعت الشبكات الاجتماعية، وضاقت العلاقات الإنسانية. وكثرت الأبنية الفاخرة، وقلّ الدفء في البيوت. ولهذا لم يكن غريبًا أن تزداد الشكوى من القلق والوحدة رغم كل مظاهر التقدم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحتاج البشرية إلى اختراع جديد أم إلى ضمير جديد؟ وهل أزمتنا حقًا أزمة إمكانات أم أزمة قيم؟ إن التاريخ والقرآن والسنة وتجارب الأمم كلها تكاد تنطق بجواب واحد: أن الأخلاق ليست ترفًا فكريًا ولا زينة اجتماعية، بل هي شرط بقاء الحضارات واستقرار المجتمعات وسعادة الإنسان.
فإذا تقدمت الأمم ماديًا وتراجعت أخلاقيًا فإنها قد تؤجل سقوطها، لكنها لا تمنعه. أما إذا اجتمع العلم مع الأخلاق، والقوة مع الرحمة، والتقدم مع الضمير، فهناك فقط يولد الإنسان الحقيقي وتنهض الحضارة التي تليق بالإنسان.
