الرموز والمعاني لدى العارفين في الحج
كم أشرت إلى أن لأهل محبة الله وولايته عز وجل أحوالا خاصة في عبادتهم لله عز وجل، وخاصة عند أداء مناسك الحج، فهم يتميزون عن غيرهم من عامة المسلمين، فرحلة الحج يتجلى فيها الصدق في محبة الله تعالى وقصده وطلبه والسعي إلى بلوغ رضوانه، والوصل به سبحانه والمقام في حضرة القرب ومعايشة حال الأنس به جل جلاله..
فلأولياء الله العارفون به في رحلة الحج أحوال إيمانية ومقامات روحية عظيمة، تعكس صدق محبتهم لله، وتتلخص في مقامات الخوف والرجاء، والشوق والمحبة، والفناء في التلبية، والخشوع التام، حيث تتجلى أحوالهم على النحو التالي:
ففي الإحرام والتجرد: الفناء عن الدنيا، التجرد الظاهري والباطني: عند تجردهم من المخيط، يتذكرون لباس الكفن والموقف بين يدي الله، فيتبدلون العظمة الدنيوية بذل العبودية.. الإستشعار بالنداء: يعيشون معاني التلبية بوجدانهم؛ فهم لا يقتصرون على ترديد اللفظ، بل يستحضرون صدق الإجابة، فيحترقون شوقًا ووجلًا من أن يُرد عليهم نداء: "لا لبيك ولا سعديك ".
معنى الطواف عندهم الهيام حول العرش، ودوران القلب: طوافهم حول البيت ليس مجرد حركة جسدية، بل هو طواف للقلب حول عرش الرحمن، مستشعرين قوله تعالى: (يَطُوفُونَ حَوْلَ عَرْشِهِ). ومن أحوالهم التعظيم والهيبة: تغمرهم السكينة والخشوع، فيغيبون عن الزحام والمشاق في أنس المناجاة والنظر إلى الكعبة بقلوبهم قبل أبصارهم.
وعند الوقوف بعرفة وهي ذروة التجليات، الخضوع والانكسار: إذ أن عرفة بالنسبة لهم هو ميدان السكينة الأعظم لديهم، يتضرعون إلى الله، وتفيض عبراتهم، ويتبرأون من حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته.. استشعار المغفرة: يكون حالهم في هذا الموقف مزيجًا من شدة الرجاء في العفو، وقمة الخوف من عدم القبول، راجين نظرة الرضا التي تسعدهم في الدارين..
وعند السعي بين الصفا والمروة يتحققون بصدق الافتقار إلى ربهم ومولاهم سبحانه، وفي حالة الاضطرار: يتذكرون سعي أمنا هاجر عليها السلام، فيتعلمون منه درس التوكل واليقين والأخذ بالأسباب تأدبا مع مولاهم عز وجل، مستشعرين افتقارهم التام إلى رحمة الله وفضله لتلبية مطالبهم وقضاء حوائجهم..
وعند رمي الجمرات المعنى عندهم رمي حظوظ النفس والتخلي عن الشهوات والأهواء، والجهاد الأكبر عندهم يتجلى في جهاد النفس والشيطان وفتن الدنيا: والإشارة إلى ذلك يتجلى في رمي الجمرات فرمي الجمار ليس عندهم ليس مجرد رمي لحصوات مادية، بل يرمون فيها أهواءهم وشهواتهم وكل ما يشغلهم عن الله تعالى.
هذا ومن كمال حالهم الاستسلام المطلق لله تعالى آخذين بقوله جل جلاله (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ): يعلنون بذلك الانقياد التام لأمر الله تعالى دون تردد.
هذه الأحوال السنية القاصرة على أهل ولاية الله سبحانه وتعالى الأصل فيها والدافع لها الحب. ولا شك إن هذه الأحوال تنعكس آثارها على حياتهم بعد الحج، فتجدهم يزدادون تواضعًا، ومحبة للخلق، وقربًا من الخالق عز وجل.
