مناسك الحج بين عامة أهل الإيمان وخاصتهم
ينقسم أهل الإيمان في عبادتهم لربهم عز وجل إلى قسمين: عامة أهل الإيمان وخاصة أهل الإيمان، العامة يؤدون المناسك والمشاعر دون أن يعلموا المعنى والسر فيها ويتطلعون للأجر والثواب، وخاصة أهل الإيمان يعلمون المعاني والسر فيها على أثر تجليات الله تعالى وإشراقاته على قلوبهم من علوم الفتح الرباني، ويتطلعون في مناسكهم إلى حضرة القرب والوصل بالله تعالى ولا يريدون إلا وجهه الكريم سبحانه.
يعبودونه جل جلاله بخالص من السر، فكان من تكريم الله تعالى لهم أن شرفهم سبحانه بخالص من الشكر، وهم الذين أشار جل جلاله إليهم بقوله تعالى " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ"..
ولخاصة أهل الإيمان أحوال خاصة في تأدية فريضة الحج تتجلى في الاستغراق التام في العبادة، والخشوع، وتجريد الإخلاص. ففي كل منسك وشعيرة في حجهم يجمعون بين أداء المناسك وإستحضار القلب، مبتعدين عن الرياء واللغو، ليحققوا الغاية العظمى من الحج وهي توحيد الله.
ومن أحوالهم ومقاماتهم في رحلة الحج أنهم يقبلون على الله سبحانه بإخلاص وتصحيح النية، وبحال التواضع والانكسار والتجرد الكامل من مظاهر الدنيا، ويرتدون ملابس الإحرام بتواضع، مستشعرين الوقوف بين يدي الله في حال معايشة كاملة. وبالبراءة من الرياء وحرصهم ألا يقصدوا بحجهم الفخر أو المباهاة أو السمعة، بل همهم تحقيق التوحيد الخالص لعلمهم بأن فيه سر القبول..
ومن أحوالهم السنية الإستغراق في الذكر والدعاء، ولذا لم تكن أفعالهم في الحج مجرد حركات مجردة، بل يربطون الطواف والسعي ورمي الجمرات بذكر الله وإستحضار عظمته جل جلاله، ومن أحوالهم كثرة الاستغفار، يدعون الله بالهداية والثبات ونوال محبته ورضاه. لا يفارقهم حال الخوف والخشية والبكاء من خشية الله تعالى الغالب على حالهم عند آداء المناسك وإقامة الشعائر، مثل الوقوف بعرفة ومزدلفة محطات للتوبة الصادقة، حيث يذرفون الدموع طمعًا في الرحمة والمغفرة..
ومن ورعهم يتحفظون في أقوالهم وأفعالهم خلال هذه الأيام المباركة، حذرًا من أي زلة قد تنقص من كمال حضور قلوبهم.. هذا ومن كمال حالهم الإنشغال الدائم بذكر الله تعالى في أوقات الفراغ، ومن أحوالهم الحرص على إستغلال كل دقيقة في الذكر والصلاة، وقراءة القرآن، والصدقة، والإنتقال بين أنواع العبادات بحسب ما يناسب الحال..
هذا والدافع لهم في حجهم ونسكهم أعظم ما في الوجود وهو الحب.. وقد دللوا على صدقهم فيه بكل مظاهر التدليل، هان عليهم المال وتحملوا الجهد وصبروا على المشاق: إحتملوا صعاب السفر ومشاق المناسك بحب وبصدر رحب، محتسبين ذلك في ميزان محبتهم لربهم ومحبوبهم عز وجل.
