من فضائل اليوم المشهود
تشهد الدنيا غدا أعظم وأجل أيامها، تشهد اليوم المشهود يوم عرفة وما أدراك ما هو؟ يوم عظيم خصه النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد العناية وعظيم الرعاية، لما له من الفضائل والمزايا والتي منها:
أولا، أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة: قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، يوما تمناه اليهود أن يكون لهم..
فعن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
ثانيا، أنه يوم يكثر فيه العتق من النار ويباهي الله بأهل الموقف الملائكة:
فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟، فيقولوا: ربنا أنت أعلم يطلبون مغفرتك ورحمتك، فيقول عز وجل "لقد غفرت لهم ورحمتهم".
ثالثا، يوم يباهي به الحق عز وجل ملائكته فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول "انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا".
وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا بلال، أنصت لي الناس"، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله، فأنصت الناس فقال: "معشر الناس، أتاني جبريل عليه السلام آنفًا فأقرأني من ربي السلام وقال: إن الله -عز وجل- غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات"، فقام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، لنا خاصة، قال: "هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: كثر خير الله وطاب.
رابعا، أن صيامه لمن لم يحضر المشهد يكفر سنتين سنة مضت وسنة مقبلة، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
خامسا، أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة: فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"..
وقد كان للسلف الصالح أحوال سنية متنوعة في يوم عرفه رضي الله تعالى عنهم بحسب مراتبهم، فمنهم من كان يغلب عليه الحياء أو الخوف من الله تعالى، ومن كان يغلب عليه حال الرجاء، ومنهم من كان ينطق بلسان المحبة والدلال.
فهذا مُطرف بن عبد الله بن الشخير -رحمه الله- وهو من علماء التابعين ومن عُبادهم، وقف في عرفة مع بكر المُزَني فقال أحدهم: "اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي"، وقال الآخر: "ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيه".
ووقف الفضيل بن عياض رضي الله عنه وهو من أكابر العارفين بالله تعالى بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: "واسوأتاه منك وإن عفوت" - يقول ذلك لأنه غلب عليه الحياء من الله ﻷ، ويقول لشعيب بن حرب: "إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحدٌ شرٌ مني ومنك فبئسما ظننت".
ودعا بعض السلف بعرفة فقال: "اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة على تركِكَ القبول مني". وكان بعض السلف يأخذ بلحيته في يوم عرفة ويقول: "يا رب قد كَبُرت فأعتقني"،
وجاء عبدالله بن المبارك إلى سفيان الثوري - رضي الله عنهما- عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه في عرفة، وعيناه تُسهمِلان من الدموع، فقال ابن المبارك لسفيان الثوري: "من أسوأ هذا الجمع حالًا"، فقال: "الذي يظن أن الله لا يغفر له".. وفي الختام أسأل الله تعالى أن يعمنا بالفضل وأن يجعلنا من عتقاءه في هذا اليوم العظيم.
