رئيس التحرير
عصام كامل

المحظوظ والمنحوس والفقري!

18 حجم الخط

الحياة لا توزع النجاح على المحظوظين فقط، وإنما تمنحه غالبًا لأولئك الذين ظلوا يطرقون الأبواب حتى إذا فُتحت لهم نافذة كانوا قادرين على العبور منها. ومن هنا جاءت العبارة العميقة التي طرحها دكتور مهاب مجاهد استشاري الطب النفسي وعضو مجلس الشيوخ، حين قال إن النجاح هو انتقاء الفرصة مع الاستعداد.. 

لتضعنا أمام حقيقة ربما تكون سرًا من أسرار النجاح وبابا من أبوب المجد الحقيقي؛ فالمشكلة الحقيقية ليست في قلة الفرص كما يظن كثير من الشباب، بل في غياب الاستعداد لها. 


بين المحظوظ والمنحوس والفقري مساحة اسمها الاستعداد

فالمحظوظ ليس إنسانًا هبطت عليه السماء بالمعجزات، بل شخص كان يطوّر نفسه بصمت، فلما جاءت اللحظة المناسبة التقطها بسرعة. أما من نصفه بأنه منحوس، فغالبًا ما يكون قد اقترب من الفرصة لكنه لم يكن جاهزًا بالقدر الكافي للحاق بها. 

 

بينما أخطر الحالات هو من استسلم لفكرة أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهه، فتوقف أصلًا عن السعي، فلم يعد يرى الفرص حتى لو مرّت أمام عينيه. الحياة لا تخلو من الفرص، لأن الله سبحانه لم يخلق رزقًا بلا أسباب، ولم يخلق إنسانًا بلا باب يمكن أن يفتحه أمامه. يقول تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.

 

حتى الطيور التي تضرب بها الأمثال في الرزق لا تبقى في أعشاشها تنتظر الطعام، بل تغدو وتروح وتسعى. ولذلك قال النبي ﷺ: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا”. فالطير توكلت.. لكنها خرجت وبحثت وحلّقت.
 

كثير من شبابنا اليوم يستهلك طاقتَه في مقارنة نفسه بالآخرين، بينما الأجدر أن يسأل نفسه: ماذا أعددتُ أنا؟ هل طورت مهارة؟ هل قرأت؟ هل تعلّمت لغة؟ هل اكتسبت خبرة؟ هل صنعت لنفسي مكانًا يليق بالفرصة حين تأتي؟
 

النجاح ليس ضربة حظ، بل حصيلة استعداد طويل لا يراه الناس. انظر إلى قصة طه حسين الذي فقد بصره طفلًا، وكان يمكن أن يستسلم لليأس، لكنه حوّل المحنة إلى دافع، حتى أصبح واحدًا من أعظم رموز الفكر والأدب العربي.


وتأمل رحلة نجيب محفوظ الذي كتب سنوات طويلة قبل أن يعرفه الجمهور، وظل يلتزم بالكتابة اليومية في صمت حتى صار أول عربي يحصل على جائزة نوبل في الأدب. وفي عالم العلم، لم يولد أحمد زويل وفي يده مجد علمي، بل بدأ شابًا مصريًا بسيطًا يحمل حلمًا كبيرًا، فواصل التعلم والبحث حتى أصبح اسمه فخرًا للعرب جميعًا.


هذه النماذج لم تكن تنتظر الفرص على الأرصفة، بل كانت تُعِدّ نفسها كل يوم، حتى إذا جاءت اللحظة المناسبة بدت للناس وكأنها حظ، بينما هي في الحقيقة نتيجة سنوات من الصبر والعمل.


ولهذا فإن روشتة النجاح الحقيقية لشبابنا تبدأ من عدة أمور بسيطة لكنها حاسمة:
أولًا: لا تتوقف عن التعلم مهما ضاقت الظروف. فالعالم يتغير بسرعة، ومن يتوقف عن التطور يتراجع حتى لو لم يشعر.
ثانيًا: لا تجعل الفشل تعريفًا لنفسك. فالسقوط مرحلة، وليس هوية. وكم من ناجح ذاق الإحباط عشرات المرات قبل أن يصل.


ثالثًا: أحط نفسك بالطاقات الإيجابية. فالإنسان يضعف وسط المحبطين، لكنه يقوى حين يسمع من يقول له: تستطيع.
رابعًا: لا تتسول الفرص ولا تنتظر إنقاذًا من أحد. ابنِ نفسك أولًا، فالفرصة تحترم الجاهزين.


خامسًا: تمسّك بالأمل مهما تأخر الحلم. فيوسف عليه السلام خرج من الجب إلى خزائن الأرض، وموسى عليه السلام خرج خائفًا يترقب ثم عاد نبيًا كريمًا، ومريم عليها السلام هزّت جذع النخلة رغم ضعفها ليعلمنا الله أن المعجزات نفسها تحتاج إلى سعي.


إن أخطر ما يواجه الشباب ليس الفقر المادي فقط، بل الفقر النفسي حين يقتنع الإنسان أن لا مكان له في الحياة. هنا يموت الحلم قبل أن يولد. أما من يؤمن بأن الله أودع فيه قدرة ورسالة، فسيظل يحاول حتى يفتح الله له بابًا لم يكن يتوقعه. ولذلك، لا تقل: أنا حظي قليل، بل اسأل نفسك: هل أنا مستعد بما يكفي؟

فالفرص لا تأتي دائمًا مرتين، لكن الإنسان القادر على تطوير نفسه يستطيع أن يصنع من كل فرصة بداية جديدة. وقد يكون أجمل ما يمكن أن نهديه لشبابنا اليوم هو هذه الحقيقة البسيطة: لا أحد يولد ناجحًا.. لكن الناجحين هم الذين رفضوا الاستسلام، واستمروا في الاستعداد حتى جاءهم موعدهم مع النجاح.

الجريدة الرسمية