مستشفيات الحكومة.. "معندهاش دم"!
الحكمة القائلة “المصائب لا تأتي فرادى” تتجسد هذه الأيام في قلب المنظومة الصحية خصوصًا في المستشفيات الحكومية والتعليمية ومستشفيات التأمين الصحي، التي كانت هي الملاذ الآمن الذي كان يلجأ إليه المرضى من الفقراء ومحدودي الدخل الذين يمثلون السواد الأعظم من الشعب.
تعانى هذه الصروح العلاجية الكبرى من عدم وجود أماكن للحالات التي تحتاج للرعاية المركزة، فضلًا عن وجود عجز شديد فى الحضّانات، حتى أبسط المستلزمات الطبية التي قد يحتاج المرضى إليها فى الإستقبال فهي أيضًا غير متوافرة..
ولكن الطامة الكبرى التي يعاني منها هذه الأيام عدد كبير من المرضى المصابين بأمراض خطيرة، مثل الأورام والفشل الكلوي المزمن وأنيميا البحر المتوسط، في مختلف هذه المستشفيات هو نقص الدم خصوصًا للفصائل النادرة مثل (A،- B،-O،-AB-) في ظل ارتفاع أسعارها بصورة مبالغ فيها في الأسواق..
حيث يصل سعر كيس الدم إلى نحو 1500 جنيه، في الوقت الذي يبلغ السعر في بنوك الدم داخل هذه المستشفيات 310 جنيهات فقط للكيس، إلا أنه غير متوافر.
نقص الدم في المستشفيات تسبب في انتكاسات خطيرة للمرضى لما له من تأثير سلبي حاد عليهم، ويؤدي إلى تدهور الحالة الصحية لهم، حيث إنه في حالة عدم توافر أكياس الدم للمريض أو التأخير فى توفيره يتسبب في هبوط حاد في ضغط الدم ويؤدي إلى فشل القلب في ضخ الأكسجين للأعضاء الحيوية..
فضلًا عن أن الكلى والكبد يتوقفان عن العمل نتيجة نقص التروية الدموية خلال ساعات قليلة، وفي حالات النزيف الحاد يكون تأخر الدم لعدة دقائق هو الفارق بين الحياة والموت.
هذه الفصائل النادرة تمثل تحديًا كبيرًا لأن نسبة أصحابها في المجتمع لا تتعدى 15 % من السكان، ويعود العجز في هذه الفصائل إلى عدة أسباب منها تضاؤل عدد المتبرعين، وعدم الوعي وزيادة الطلب، وهي الأمور التي تسببت في حدوث تدهور حاد في الحالة الصحية للمرضى الذين يجدون معاناة كبيرة من شدة الألم من ناحية، ومن عدم توافر أكياس الدم من ناحية أخرى، مما يتسبب في دخول المريض في دوامة الآلام الشديدة.
والمحزن أن عددًا كبيرًا من المستشفيات الخاصة خصوصًا المتعاقدة مع الهيئة العامة للتأمين الصحي تستغل هذه الأزمة أسوأ استغلال، حيث يقوم بعضها بالضغط على أهالي المرضى للتبرع بكميات كبيرة من أكياس الدم كلًا حسب فصيلته، ولم تكتفِ بذلك بل تحصل على مبالغ مالية كبيرة في الوقت نفسه مقابل تحليل الدم..
وعلى سبيل المثال توجه أحد مرضى الأورام ويدعى سيد عبد الله عبد الحميد إلى مستشفى صيدناوي للتأمين الصحي التي يعالج فيها، ونظرًا لتدهور حالته التي كانت تستدعي نقله فورًا إلى غرفة الرعاية المركزة، والتي لم تكن متوافرة كالعادة في هذا المستشفى -وكما هو الحال في جميع المستشفيات التابعة للتأمين الصحي وكذلك المستشفيات الحكومية، فقامت إدارة المستشفى بتحويل المريض إلى أحد المستشفيات الخاصة..
واستدعى الأمر ضرورة توفير 5 أكياس دم للمريض صاحب الفصيلة النادرة “O -” وتم إجبار أهل المريض على توفير 25 كيس دم بفصائل مختلفة، فضلًا عن سداد 500 جنيه عن كل كيس توفره المستشفى للمريض التابع للتأمين الصحي، علمًا بأن هناك قرارًا لوزارة الصحة يؤكد أن يُصرف كيس الدم بالمجان لمرضى الأورام!
وطبقًا لتصريحات مسئولي وزارة الصحة فإن الوزارة تتخذ إجراءات لتوفير الدم عبر بنوك الدم القومية الأكثر أمانًا المنتشرة في مختلف المحافظات، فضلًا عن بنك الدم التابع للهلال الأحمر الذي من المفترض أن يوفر مخزونًا إستراتيجيًّا ويساعد في توفير الفصائل النادرة، ولكن للأسف فإن فيروس العجز والنقص في كميات الدم المطلوبة للمرضى ما زال ينهش في جسد المنظومة الصحية، مما جعلها مصابة بحالة من الوهن والضعف، أما المريض فله ولنا الله.
