حين تم إدراج اسمي بالقائمة السوداء للعملاء المتعثرين بالبنوك!
فى عام 2003 كانت هناك مبادرة تحت مسمى “كمبيوتر لكل صحفي” والتى تم إبرامها بين نقابة الصحفيين وبنك مصر وإحدى الشركات الموردة للحاسب الآلي، وقمت بالتقدم بالحصول على أحد الأجهزة بمبلغ إجمالى 3 آلاف جنيه على أقساط شهرية، تقريبا كان القسط الواحد يبلغ 57 جنيها..
وكانت هذه الأقساط تستقطع مباشرة من بدل التكنولوجيا والتدريب الذي أحصل عليه من النقابة مثل باقى الزملاء، وبالتالي لم ينشغل بالى بهذا القسط لأنه يتم تحصيله مباشرة بدون أى مشكلة، ولكن حدثت أزمة في هذا الأمر بين الإدارة المالية للنقابة وبنك مصر، وتوقف سداد هذه الأقساط لمدة طويلة، ولم أكن أعلم بها مطلقًا.
وبعد قرابة 3 سنوات من شرائي لهذا الجهاز حدثت مبادرة أخرى مع البنك الأهلي يحصل بموجبها الصحفى حسب كادره بالجريدة على فيزا أشبه بفيزا المشتريات حاليًا، وتوجهت إلى الموظف المختص بالبنك الأهلي باعتباري نائب رئيس قسم الاقتصاد بجريدة الأحرار وقدمت له الأوراق المطلوبة مني..
وبدأ الموظف فى فحص المستندات ثم قام فى تحريك “ماوس” جهاز الكمبيوتر أمامه، وفجأة شخصت عيناه وأخذ ينظر إلى بنظرة تعجب وإستهجان تحمل معها معانى الاتهام بارتكاب جريمة، ثم خلع نظارته ووضعها أمامه وتحول إلى محقق، وبدأ فى استجوابى عن علاقاتى المصرفية مع البنوك..
وكنت فى هذه الفترة محررا مصرفيا بجريدة الأحرار، وطالما كشفت عن العلاقات المريبة بين بعض عملاء البنوك خاصة بعض كبار رجال الأعمال وتقديمهم لضمانات واهية لا تكفى قيمة القروض التى يحصلون عليها..
وسبق لى الحصول على أول جائزة لى من نقابة الصحفيين عام 2002 عن ملف حول الفساد بالبنوك، والذى تضمن وقائع صارخة لعدد من الانحرافات التى كانت تشهدها البنوك العاملة في مصر، وبخاصة البنوك العامة في هذه الفترة، فظننت أن الموظف المحقق إطلع على بعض هذه الأعمال الصحفية التي كان لها صدى واسع فى الأوساط المصرفية، في تلك الحقبة الهامة من تاريخي المهني، ويريد أن يتأكد أننى من قمت بهذه الأعمال..
وشعرت للحظات أننى من كبار الصحفيين الذين لهم قراء، ولكن سرعان ما تبدد الحلم حين قال لي إنه يظهر أمام شاشته أن اسمى مُدرج طبقا لتعليمات البنك المركزى في القائمة السوداء لعملاء البنوك باعتباري عميلا متعثرا، وهاربا من سداد الديون المستحقة عليه..
يقول الموظف هذا الكلام ولا تبدو على وجهه أى علامات تدل على أنه أراد أن يُظهر أنه يتمتع بخفة الظل والظرافة، ظننت في بادئ الأمر أنه سوف يختم حديثه معى بابتسامة تدل على أنه يستخف دمه أو أن هذا أسلوب جديد في جذب العملاء يقوم على توفير حالة من الفرفشة، ولكن المفاجأة الصادمة أنه كان يتحدث بجدية ويقصدني بالفعل ولا يوجد تشابه فى الأسماء.
بعد أن انتابتنى حالة من الضحك الهيستيري بدأت أبحث الأمر بالفعل وذهبت لأحد مصادرى بالبنك المركزي، للتعرف على طبيعة القروض التى حصلت عليها من البنوك وقام الموظف الكبير بالبنك بإجراء اتصالاته بعد التأكد بأننى بالفعل على القوائم السلبية وممنوع مطلقا من التعامل مع البنوك، وأنتظرت بضع دقائق وأنا فى حالة ترقب..
ولا أنكر بأننى كنت فخور بأن اسمي في قائمة واحدة مع حيتان البنوك من رجال الأعمال المتعثرين أمثال الدكتور أحمد بهجت صاحب دريم لاند وجولد ستار، ورامى لكح رجل الأعمال الشهير، وسيدة الأعمال هدى عبد المنعم “المرأة الحديدية”، وعمرو النشرتي، وحاتم الهواري وغيرهم من أباطرة البنوك زملائي في القائمة السوداء، وأخيرا جاء الرد بأننى لم أسدد بعض أقساط جهاز الكمبيوتر لبنك مصر والتى لم تتجاوز 513 جنيها فقط لا غير!
دخلت دوامة جدولة تلك الديون أو عمل تسوية خاصة، وأن شبح السجن بدأ يطاردني، وسيطرت على هواجس تسريب الخبر إلى الصحف بأنني متعثر، وهو الأمر الذي سيؤثر بالقطع على باقي مؤسساتي ومشروعاتي الضخمة، وبخاصة الأعمال التي كنت أراسل بها بعض الصحف العربية التي كنت أعمل بها بالقطعة..
وبدت في الأفق مخاوف قيام البنوك بوضع أيديها على تلك الأعمال لحين سداد المديونيات المستحقة، وفي تلك الأيام ودعت جفوني النوم تخوفا من فضح أمري أمام أهلي وأبناء دائرتي بالشرابية، خاصة وأن هذه الواقعة المشينة قد تؤثر على مستقبلي السياسي، وعشت فترة عصيبة ذكرتني بالمسرحيات التراجيدية الإغريقية القديمة.
وأخيرا تواصلت مع الأستاذ ممدوح الولى أمين صندوق النقابة آنذاك، والذى قام بمخاطبة بنك مصر وتمت تسوية الموضوع بعد أن تعهدت النقابة بسداد الدين المستحق على دفعات، ولكن خروج الاسم من القائمة السوداء استغرق بعض الوقت، ربما للتأكد من عدم تكرار هذا الأمر في عمليات أخرى!
جال بخاطري هذا الموقف الغريب حين قفزت على السطح الإعلامي مؤخرا واقعة حصول “حوت الأسمدة” رجل الأعمال محمد الخشن صاحب شركة إيفر جرو للأسمدة على قروض من 35 بنكا قيمتها 40 مليار جنيه “بس” وأشفقت على الرجل لأنه سيواجه نفس مصيري في واقعة الـ513 جنيها ويحل ضيفا على القائمة السوداء للعملاء المتعثرين عن السداد..
وقد يكون حظه عثر ويلتقى بنفس موظف البنك الأهلي الذي سوف يخلع نظارته أيضا ويمارس معه دور وكيل النيابة ويشبعه “سين وجيم” ويطهقه في عيشته، كل ده علشان 40 مليار جنيه بس، خصوصا أن منها 6 مليارات جنيه من البنك الأهلي فقط، ولهذا أعلن مساندتي التامة لزميل القائمة السوداء في تلك المحنة داعيا المولى عز وجل أن ينتقم من البنوك التى تغرر بنا نحن معشر المتعثرين، وتمنحنا قروضا كي تدرج أسماؤنا على قوائمها السوداء!
