رئيس التحرير
عصام كامل

حوريات الجنة.. وسفراء جهنم!

18 حجم الخط

أرى موكبا مهيبا تتصدره عدد من الحوريات هن كالياقوت والمرجان وأقرب إلى اللؤلؤ المكنون.. يطوف الموكب الذي يشبه مواكب العرس أروقة الجنة.. حوله ولدان مخلدون يعلنون فرحة السماء بإستقبال سبعة شهيدات من زهرة شباب مصر.. 

ها هو خازن الجنة يقف بكل أبهة وعظمة هو الآخر ليكون في شرف موكب استقبال الشهيدات، اللاتي رحن ضحايا حريق أشعل اللهب في صدور الجميع، وكشف عورات أجهزة حكومية ترفع شعار الفساد والإهمال.

وأرى سيدات ثكالى متشحات بالسواد يلطمن خدودهن بكل حسرة، وهؤلاء رجال يبكون دمًا بدلًا من الدموع بعد أن خارت قواهم وتبعثر سباتهم، وقد دخلوا جميعا فى حالات هستيرية شديدة القسوة بعد أن فقدوا فلذة أكبادهم، واحترقت قلوبهم التي تنزف ألمًا شديدًا بنيران فراق أعز الناس تماما كما احترقت أجساد بناتهم اللاتي كن من خيرة شباب الوطن.

قبل أيام شهدت منطقة أرض الجنينة بحي الزاوية الحمراء بمحافظة القاهرة مصيبة كبرى أدمت قلوب الجميع، حين شب حريق هائل في أحد المصانع والمخازن الموجود بشارع محمد أمين، وكان بداخله عدد من العاملات جميعهن في مقتبل العمر، كن يبحثن عن مصدر دخل لمساعدة أهاليهن في شراء مستلزمات زواجهن، والمساهمة في توفير متطلبات أسرهن في ظل هذه الظروف المعيشية شديدة الصعوبة، التي تواجه السواد الأعظم من الشعب المصري خلال هذه الفترة العصيبة.

تلك المأساة القاسية التي أدمت قلوب الجميع تجعلنا نفتح واحدا من أهم الملفات المسكوت عنها، والتي سبق أن حذرنا منها في مقالات سابقة، وهذا الملف يرتبط بالعدد الهائل من المصانع والورش والمخازن الموجودة وسط التكتلات السكانية، والتي لا يتوافر بها عنصر الأمان مطلقا، وذلك تحت أعين جميع الأجهزة المعنية، والتي يكتفي عناصرها  بتلقي الإكراميات دون النظر في حجم الخطورة التى تنتج عنها هذه المخالفات.

تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 60 % من النشاط الصناعي في محافظتي القاهرة والجيزة فقط يقع داخل الحيز السكني، أي نحو 42 ألف مصنع، بخلاف عشرات الآلاف من الورش العاملة في مختلف الأنشطة.. 

والتي تمارس نشاطها بكل أريحية، ولا تجد رقابة من أي مسئول، فهم يعرفون وسيلة التعامل مع أي موظف في مختلف الأجهزة الحكومية، كما أن الموظف نفسه يعلم جيدا أنه في حالة وقوع كارثة كالتي شهدتها الزاوية الحمراء قبل أيام أنه لن يتعرض لأي مساءلة.

قبل نشوب الحريق أصدرت وزارة الصناعة في أبريل الحالى القرار رقم 73 لسنة 2026 والذي يقضي بزيادة عدد الأنشطة الصناعية المسموح بوجودها داخل الكتل السكنية، من 17 نشاطًا إلى 65 نشاطًا، شرط ألا تسبب أضرارًا جسيمة للبيئة وتلتزم باشتراطات سلامة صارمة.. 

وذلك بدلا من أن تقوم الوزارة بمنع أو تقليص عدد الأنشطة التي تمارس وسط التكتلات السكانية، خاصة وأنها لا تمارس دورها الرقابي على هذه الأنشطة، وبالتالى لن يكون هناك أي التزام بمعايير البيئة والسلامة، وتكون النتيجة وقوع مثل هذه الكوارث التي يدفع ثمنها ضحايا لا ذنب لهم سوى السعي وراء لقمة العيش.

وما يؤكد أن هناك تخبطا حكوميا واضحا، أن الحكومة أكدت مؤخرًا عدم تجديد تراخيص أي مصنع يقع داخل منطقة سكنية، مع إلزام أصحابه بالانتقال إلى الأراضي المخصصة في المناطق الصناعية، فى الوقت الذي تتخذ فيه وزارة الصناعة قرارا بزيادة عدد الأنشطة.

لقد كان رحيل تلك الفتيات كالشهاب الذى أضاء لنا عتمة قلوب المسئولين في هذه الحكومة، التي لم يتحرك لها جفن وهي ترى حال هؤلاء الأسر التي تلاشت أحلامهم أمام أعين الجميع في لحظات، لم تتخذ الحكومة إجراءات ضد أباطرة الفساد من رجالها، بل اكتفت بالفرجة على زفاف هؤلاء الفتيات إلى قبورهن، ولم تبال باحتراق قلوب المواطنين على هؤلاء الضحايا من الفتيات المكافحات. 

الشعور بآلام السعير الذي أصاب الفتيات السبعة أثناء الحريق وأدى إلى وفاتهن وحرمانهن من نستكمال أحلامهن كان هو الجسر الذي عبرن من خلاله إلى جنة الخلد التى تجرى من تحتها الأنهار فهن الخيرات الحسان.. 

وفي الوقت نفسه سيكون هذا الحريق الذي انكوت به أجساد تلك الفتيات سببًا رئيسيًا في الزج بسفراء جهنم من المسئولين الفاسدين في نار الجحيم، وستتحول الدماء الذكية للضحايا إلى شلال من ماء السعير هو كالمهل يشوى وجوه كل المقصرين في أداء عملهم.

وعزاؤنا الوحيد أن هؤلاء البنات هن فراشات الجنة ونور صعد للسماء وستظل سيرتهن العطرة باقية في القلوب.

الجريدة الرسمية