خيانة الدبلوماسية.. من حوارات الظل إلى اتهامات الغدر.. المفاوضات الأمريكية الإيرانية تدخل مرحلة الحسم.. العقوبات الاقتصادية واليورانيوم وهرمز تعرقل التفاهم
بين “خيانة الدبلوماسية” واغتيالها، بدت كلمات محسن رضائي مستشار المرشد الإيراني الأعلى، والتي اتهم فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ“خيانة الدبلوماسية للمرة الثالثة”، بمثابة تعبير حقيقي عن طبيعة مسار التفاوض بين واشنطن وطهران.
واعتبر رضائي أن استمرار الحصار البحري والمطالب الأمريكية المفرطة يعيقان أي تقدم في مسار التفاهم بين الطرفين، ويعكسان عدم جدية الولايات المتحدة في التفاوض، وسعيها إلى تحقيق أهداف أخرى.
وعلى الرغم من أن “خيانة الدبلوماسية” ليست مصطلحا قانونيا أكاديميا ثابتا، فإنه يستخدم كتعبير مجازي وسياسيلوصف حالات إخلال دولة أو مسؤول بتعهدات دولية، أو نقض المفاوضات والحلول السلمية لصالح التصعيد؛ فيما يستخدمه الفاتيكان –أحيانا- لانتقاد تركيز الدول على التسلح وإنفاق المليارات على الجيوش، معتبرا أن تفضيل السلاح على التسويات السياسية هو “خيانة للدبلوماسية”.
دبلوماسية الظل
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، لم تتوقف مساعي العديد من الدول من أجل الدفع نحو مسار التهدئة، وكانت البداية من خلال ما يعرف بـ“دبلوماسية الظل”، أو "دبلوماسية المسار الثاني"، والتي تبرز بوصفها أحد الخيارات الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق بين الجانبين الإيراني والأمريكي، مقارنة بالدبلوماسية الرسمية التقليدية، أو ما يعرف بـ“دبلوماسية المسار الأول”.
وتعرف “دبلوماسية الظل” بأنها نمط من الجهود غير الرسمية الرامية إلى تسوية النزاعات، يقوده فاعلون من خارج الأطر الحكومية، مثل الأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني والخبراء؛ وتركز تلك الدبلوماسية على خفض التوتر وبناء الثقة بين أطراف الصراع عبر حوارات هادئة، وتتيح قدرا أكبر من المرونة في تناول القضايا المعقدة بعيدا عن ضغوط الإعلام وحسابات التفاوض الرسمي.
حسابات الداخل بين واشنطن وطهران
وبرزت “دبلوماسية الظل” باعتبارها الأكثر قدرة على تهدئة الأوضاع لأسباب عدة، أهمها الداخل الأمريكي والإيراني، ففي الولايات المتحدة تحول الملف الإيراني إلى ساحة تنافس حزبي، حيث تميل الإدارات الديمقراطية إلى الانخراط في حوارات محدودة، في حين تتبنى الإدارات الجمهورية نهج الضغط، ما يجعل استمرارية أي اتفاق رسمي يجري التوصل إليه بين الطرفين رهينة لتقلبات الداخل السياسي الأمريكي.
وفي المقابل، يفرض هيكل النظام السياسي في إيران قيودا واضحة على أي مسار للتطبيع، إذ تتركز صلاحيات السياسة الخارجية في يد المرشد الأعلى، ما يحد من قدرة المسؤولين المنتخبين على إحداث تحول حقيقي في العلاقات الخارجية؛ فيما يشكل النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري الإيراني عاملا إضافيا يعزز استمرار العزلة، باعتبارها بيئة تحمي مصالحه من المنافسة الخارجية؛ ما يفرض تعاملا براجماتيا من كلا الطرفين في أي محادثات مستقبلا.
ومن بين أهم الأسباب أيضا تقلص عدد الوسطاء المحتملين على الجانبين، حيث أدى اغتيال مسؤولين إيرانيين كبار - بحجم المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في الساعات الأولى من الحرب - إلى تدمير الشبكات الشخصية التي تقوم عليها أي دبلوماسية مستقبلية، ما يجعل بناء أي علاقات جديدة -خارج القنوات الرسمية - أمرا ضروريا، وليس مجرد خيار بين الجانبين.
المفاوضات غير المباشرة
شهدت الأسابيع الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ما يمكن وصفه بـ“شكل بدائي من دبلوماسية المسار الثاني” (دبلوماسية الظل)، من خلال مبادرات باكستان تركية عمانية مصرية مشتركة. حيث عمدت تلك الدول إلى نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، فيما وصف بقنوات خلفية أنشئت بشكل ارتجالي في زمن الحرب، بهدف خفض التصعيد الفوري دون البحث عن بناء علاقات طويلة الأمد بين الجانبين.
وساعدت تلك الدبلوماسية على الانتقال إلى مرحلة متقدمة من التفاوض تمثلت في المفاوضات غير المباشرة برعاية باكستانية، مدعومة بتلك العلاقة الوثيقة بين ترامب وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، والذي أشاد به الرئيس الأمريكي علنا ووصفه بـ“القائد المفضل”، واستضافه في البيت الأبيض في خطوة خارجة عن الأعراف البروتوكولية.
وبحسب طهران، فإن تلك المفاوضات - والتي لا تزال جارية - كشفت عن مسودة اتفاق تتضمن تعهدات أمريكية بتمكين إيران من الوصول إلى 12 مليار دولار من أصولها المجمدة خلال 60 يوما، وإعادة تنظيم قواعد الملاحة في مضيق هرمز باعتباره أحد أبرز بنود التفاهم المقترح بين الجانبين، ومنح إيران صلاحية حصرية لتحديد طبيعة السفن العابرة للمضيق، بحيث لا تصنف أي سفينة تحمل شحنة تعتبرها طهران تهديدا أو يكون مشغلها النهائي جهة معادية لإيران ضمن فئة السفن التجارية.
مخاض التفاوض
يُعد مخاض التفاوض المرحلة الأكثر صعوبة وتعقيدا، حيث تتبلور فيها التنازلات، وتشتد الضغوط، وتختبر مرونة الأطراف للوصول إلى اتفاق نهائي. وتتسم هذه المرحلة بالشد والجذب، وتتطلب مهارات عالية في إدارة الأزمة.
وفي السياق يبدو الحديث الصعب عن “مسودة الاتفاق” بين واشنطن وطهران والتي كشفت تباين وجهات النظر بين واشنطن وطهران حول قضايا تخص رفع العقوبات الاقتصادية وتخصيب اليورانيوم، وهو ما عكسته تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأنه “يجب أن يكون لدينا حل دبلوماسي واضح للغاية بشأن القضايا التي تستعد إيران للتفاوض عليها، وحجم التنازلات التي يستعد الإيرانيون لتقديمها في البداية، حتى يكون الأمر ذا جدوى”.
ويقول تقرير نشرته شبكة “سي إن إن” الأمريكية: تشير بعض الروايات المتعلقة بمذكرة التفاهم إلى أن إيران ستسمح بعودة حركة الملاحة عبر المضيق إلى مستويات ما قبل الحرب خلال فترة تمتد إلى 30 يوما. لكن مصادر في قطاع الشحن تقول إن الشركات ستحتاج إلى فترة من الهدوء المستدام قبل إعادة السفن إلى المنطقة.
ويضيف التقرير: يصر ترامب على حرية الملاحة الكاملة من دون عوائق، بينما تواصل إيران التأكيد على حقها في إدارة حركة المرور عبر الممر المائي الدولي بالتنسيق مع سلطنة عمان. ومن المرجح أن يكون إيجاد صياغة توفق بين الموقفين أمرا صعبا.
وتشير “سي إن إن” إلى أن البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، من أهم القضايا الرئيسية التي تشهد شدا وجذبا بين طهران وواشنطن.
ويقول التقرير: يعد اليورانيوم وقودا نوويا أساسيا يمكن استخدامه في تصنيع قنبلة نووية إذا جرى تخصيبه إلى مستويات عالية. ويعتقد أن إيران تمتلك أكثر من 440 كيلوجراما من اليورانيوم عالي التخصيب. ويتمسك ترامب بأكثر خطوطه الحمراء ممثلة في موافقة إيران على عدم امتلاك سلاح نووي أبدا؛ فيما ترى دولا أخرى مثل روسيا أن “إيران الجهة الوحيدة المعنية بتحديد مصير ثروتها من اليورانيوم المخصب”.
وبين “دبلوماسية الظل” و“المفاوضات غير المباشرة” و“مخاض التفاوض”، و“خيانة الدبلوماسية”، يعكس مسار التفاوض بين طهران وواشنطن حالة متأرجحة بين الانفتاح والتصعيد، كأنه يتحرك على خيط رفيع قد ينزلق في أي لحظة نحو مزيد من التوتر أو الانفجار السياسي.
