المسلماني والدراما.. ماذا تغير؟!
لم تكن الدراما المصرية يومًا مجرد وسيلة للتسلية أو ملء أوقات الفراغ، بل كانت عبر تاريخها الطويل واحدة من أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ورافعة حقيقية لما يُعرف بالقوة الناعمة التي صنعت لمصر مكانتها في الوجدان العربي.
كانت الشاشة المصرية تنبض بحكايات الناس، تعكس آمالهم وانكساراتهم، وتقدم نماذج إنسانية قادرة على الإلهام والتأثير، حتى باتت بعض الأعمال جزءًا من ذاكرة الشعوب لا مجرد أعمال عابرة تُستهلك وتُنسى.
غير أن هذه الصورة أخذت في التآكل تدريجيًا، ليس فقط بسبب المنافسة الإقليمية أو تغير أنماط المشاهدة، بل نتيجة تحولات داخلية أصابت جوهر الصناعة نفسها. فبدلًا من أن تكون الدراما مرآة صادقة للمجتمع، أصبحت في كثير من الأحيان مشوهة له، تبالغ في عرض النماذج السلبية، وتُغرق المشاهد في عالم يغلب عليه العنف والبلطجة، حيث تتحول القوة إلى قيمة عليا، ويُقدَّم الخارج عن القانون أحيانًا في صورة البطل، أو على الأقل في صورة تستدعي التعاطف أو الإعجاب.
هذا الاستسهال في توظيف العنف لم يعد مجرد اختيار فني، بل تحول إلى نمط متكرر، يرسّخ في الوعي، خاصة لدى الأجيال الأصغر، أن الصراع لا يُحسم إلا بالقوة، وأن اللغة الخشنة والألفاظ الخادشة أصبحت جزءًا طبيعيًا من التعبير اليومي.
ومع التكرار، تفقد هذه المشاهد صفتها الاستثنائية، وتتحول إلى أمر مألوف، وهو أخطر ما في الأمر، لأن التطبيع مع القبح يفتح الباب أمام استنساخه في الواقع.
ولا يقف الأمر عند حدود العنف اللفظي أو الجسدي، بل يمتد إلى ثقافة استهلاكية مفرطة تُروَّج بشكل فج داخل الأعمال الدرامية، حيث تتحول الحياة إلى سباق محموم نحو المظاهر، وتُختزل القيم في القدرة على الإنفاق، ويُقدَّم الثراء السريع باعتباره هدفًا مشروعًا بغض النظر عن الوسائل.
هذه الرسائل، وإن جاءت ضمن سياق درامي، تترك أثرًا عميقًا، خاصة في مجتمع يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية، فتخلق فجوة بين الواقع والطموح، وتغذي الإحباط أو تدفع إلى تقليد مشوه لا يستند إلى أسس حقيقية.
ثم تأتي الإعلانات، التي لم تعد مجرد فواصل بين المشاهد، بل أصبحت عبئًا ثقيلًا يقطع الإيقاع الدرامي ويفرض نفسه بسطوة لا تخلو من استفزاز. كثير من هذه الإعلانات يفتقر إلى الحد الأدنى من الذوق أو الرسالة، ويعتمد على الصخب والمبالغة، بل وأحيانًا على السخرية السطحية أو الإيحاءات غير اللائقة، وكأن الهدف لم يعد مخاطبة عقل المشاهد بقدر ما هو انتزاع انتباهه بأي وسيلة، حتى لو كان الثمن هو إفساد التجربة الفنية بأكملها.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه: ماذا تحقق فعليًا على مستوى إدارة الإعلام الرسمي منذ تولي أحمد المسلماني رئاسة الوطنية للإعلام ؟
الإجابة الواقعية، بعيدًا عن المجاملات أو الأحكام المسبقة، تشير إلى أن ما جرى حتى الآن لا يتجاوز حدود المحاولات الإدارية والتنظيمية التي لم تنعكس بصورة ملموسة على الشاشة أو في وعي الجمهور.
لا يزال ماسبيرو يعاني من نفس أزماته المزمنة، ولا تزال الفجوة قائمة بين ما يُقال عن التطوير وما يراه المشاهد فعليًا. فالجمهور لا يتعامل مع الخطط والبيانات، بل مع منتج إعلامي حيّ، يقيس به مصداقية أي حديث عن الإصلاح.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير قيادات أو إطلاق شعارات. إنها أزمة رؤية، وأزمة توازن بين الإدارة والإبداع، بين السيطرة والانفتاح، بين الرسالة الفنية ومتطلبات السوق. فلا يمكن استعادة الدور التاريخي للإعلام المصري عبر إجراءات بيروقراطية فقط، كما لا يمكن ترك الساحة بالكامل لمنطق السوق الذي قد يجنح إلى الإثارة على حساب القيمة.
إن استعادة الريادة المصرية في الدراما ليست حلمًا مستحيلًا، لكنها أيضًا لن تتحقق بالصدفة. الأمر يحتاج إلى إرادة حقيقية تعيد الاعتبار للفن بوصفه قوة ناعمة قادرة على البناء لا الهدم، وعلى الارتقاء بالذوق العام لا الانحدار به. يحتاج إلى نصوص تُكتب بصدق، وشخصيات تُصاغ بعمق، ومساحات تُمنح للمبدعين ليعبروا عن المجتمع لا ليكرروا أسوأ ما فيه.
في النهاية، تظل الدراما مرآة، لكنها مرآة يمكن أن تُصقل فتُظهر أجمل ما في المجتمع، أو تُترك معتمة فتعكس أسوأ ما فيه. والاختيار هنا ليس تقنيًا ولا تجاريًا فقط، بل هو في جوهره اختيار ثقافي وأخلاقي يحدد ملامح وعي أجيال كاملة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نريد دراما تُشبهنا في أفضل حالاتنا، أم دراما تُكرّس أسوأ ما فينا حتى يصبح هو القاعدة؟ كفاك دعاية لنفسك يا مسلماني واهتم بالمضمون الذي يعيدنا للريادة والتميز!
