رئيس التحرير
عصام كامل

صرخة الدكتور زويل!

18 حجم الخط

في لحظةٍ فارقةٍ بين التخلّف والنهضة، لا يكون السؤال: ماذا نُنتج؟ بل: كيف نفكّر؟ لأن الإنتاج ثمرة، أمّا الفِكر فهو الجذر. ومن هنا جاءت صرخة العالِم الدكتور أحمد زويل، لا باعتبارها رأيًا عابرًا، بل خلاصة تجربة حضارية تقول: إن الأمم التي تبدأ من الصناعة دون أن تؤسس علمًا، كمن يبني سقفًا بلا أعمدة.


ليست المشكلة في أن نستورد آلة، بل في أن نظل أسرى لمن صنعها. فالدول التي تُنتج التكنولوجيا اليوم لم تبدأ من خطوط الإنتاج، بل من المعامل، من الأسئلة الصغيرة التي بدت يومًا بلا جدوى، ثم تحولت إلى مفاتيح لعوالم جديدة. 

 

أنظر إلى KAIST (المعهد الكوري للعلوم والتكنولوجيا) في كوريا الجنوبية، لم يكن مجرد جامعة، بل عقل دولة، يختار النخبة ويصنع منها أدوات مستقبل. هناك، لا يُفصل التعليم عن الصناعة، بل تُولد الصناعة من رحم البحث.

 

وفي المقابل، حين تُختزل النهضة في استيراد التكنولوجيا، تصبح التنمية استهلاكًا مُقنَّعًا. نشتري الحلول بدل أن نصنعها، فنحل أزمة آنية ونُبقي على جذور الأزمة حيّة. فكيف سنواجه تحديات مثل تحلية المياه أو الطاقة الشمسية أو علاج الأمراض المستعصية إذا لم نمتلك العلم الذي يُنتج أدوات الحل؟ 

الشمس في مصر لا تغيب، لكن الاستفادة منها لا تأتي بقرار إداري، بل بعقول تفهم السيليكون، وتُطوّع الفوتون، وتحوّل الضوء إلى طاقة، ثم إلى اقتصاد.


وليس هذا جديدًا في تاريخنا. ففي العصر العباسي، حين كان هارون الرشيد يزن الكتب المترجمة ذهبًا، لم يكن يُكافئ المترجم فقط، بل كان يستثمر في المستقبل. كانت الترجمة مشروع دولة، وكان العلم لغة الحضارة. ومن بيت الحكمة خرجت نهضة لم تُنجب علماء فقط، بل أنجبت أمة قادرة على الإضافة، لا النقل.


اليوم، تتكدّس في مصر آلاف رسائل الماجستير والدكتوراه، لكنها كثيرًا ما تبقى حبيسة الأدراج. هنا يكمن الخلل: ليس في قلة الإنتاج العلمي، بل في ضعف توظيفه. هناك فجوة بين الجامعة والمصنع، بين الباحث وصانع القرار، بين الفكرة والتطبيق. يتحول البحث إلى متطلب أكاديمي لا مشروع وطني، وتضيع الفرصة بين الروتين وقلة التمويل وضعف التنسيق.


السؤال إذن ليس: هل لدينا علم؟ بل: كيف نُدير هذا العلم؟ كيف نحوله من أوراق إلى منتجات، ومن نظريات إلى حلول؟ البداية لا تكون فقط بزيادة الإنفاق، رغم أهميته، بل بإعادة تعريف دور البحث العلمي في الدولة. أن يصبح البحث جزءًا من خطة التنمية، لا بندًا هامشيًا في الموازنة. أن تُربط الجامعات بالصناعة، وأن تُوجَّه الأبحاث لحل مشكلات حقيقية: الماء، الطاقة، الغذاء، الصحة.


كما أن بناء بيئة علمية حقيقية يتطلب احترامًا للعلماء، لا بالشعارات، بل بتمكينهم، ومنحهم الحرية، وتوفير أدواتهم. فالعقل لا يُبدع تحت ضغط البيروقراطية، ولا يزدهر في مناخ لا يُقدّر السؤال والنقاش والحوار والإبداع الحقيقي.

النهضة ليست قرارًا سريعًا، بل مسارًا طويلًا يبدأ من المدرسة، حيث يُزرع الفضول، ويمتد إلى الجامعة حيث يُصقل، وينتهي في المعمل حيث يُثمر. وكل أمةٍ لم تُدرك أن العلم هو أمنها القومي الحقيقي، ستظل تبحث عن مكانها في عالمٍ لا يعترف إلا بمن يصنع المعرفة.

من هنا نبدأ: من الإيمان بأن البحث العلمي ليس رفاهية، بل ضرورة وجود. وأن الاستثمار في العقل هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر.

الجريدة الرسمية
عاجل