رئيس التحرير
عصام كامل

تعالوا نحلم!

18 حجم الخط

ليس الحلم ترفًا ذهنيًا ولا هروبًا من الواقع، كما يروّج البعض، بل هو في جوهره أول درجات الفعل، وأصدق البدايات لأي مشروع نهضوي حقيقي، الأمم التي سبقتنا لم تصل لأنها كانت أكثر حظًا، بل لأنها امتلكت شجاعة الحلم، ثم حوّلت هذا الحلم إلى خطط، والخطط إلى عمل، والعمل إلى إنجاز.


حين نتأمل أفكارًا من نوع “بنك للأفكار” في كل محافظة، فإننا لا نتحدث عن صندوق خشبي توضع فيه أوراق، بل عن فلسفة كاملة تعيد الاعتبار للعقل المصري، الفكرة هنا ليست جمع الاقتراحات، بل خلق مناخ يشعر فيه المواطن أن صوته مسموع، وأن اجتهاده يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني، هذه ليست رفاهية إدارية، بل استثمار مباشر في رأس المال البشري، وهو أغلى ما نملك.


وعندما ننتقل إلى ربط البحث العلمي بالصناعة، فنحن أمام عقدة حقيقية طالما عانت منها مصر: إنتاج علمي بلا تطبيق، واحتياج صناعي بلا ابتكار محلي. الفجوة هنا ليست قدرًا، بل نتيجة غياب التنسيق. 

لو جُمعت براءات الاختراع المصرية في الطاقة والطب والزراعة داخل منظومة استثمارية حقيقية، يمكن أن تتحول من أوراق محفوظة في الأدراج إلى مصانع، ومن معامل صامتة إلى اقتصاد منتج. هذه هي اللحظة التي يتحول فيها العلم من شهادة إلى قيمة مضافة.


أما توجيه الاستثمارات الكبرى نحو قطاعات استراتيجية كالتنقيب عن الطاقة، فهو طرح يستحق التوقف. ليس لأن الاستثمار العقاري بلا قيمة، بل لأن التوازن مطلوب. الاقتصاد القوي لا يقوم على قطاع واحد، بل على تنوع ذكي يحقق الأمن الاقتصادي. البحث عن مصادر جديدة للطاقة ليس رفاهية، بل ضرورة في عالم يتغير بسرعة، ومن يمتلك الطاقة يمتلك قراره.


وفي ملف التعليم، تبدو الفكرة أكثر جرأة: مدرسة ليست مجرد فصول، بل مؤسسة متكاملة تصنع إنسانًا قادرًا على الحياة. مدرسة فيها رياضة وفن وموسيقى، وفيها أيضًا نظام يحاسب ويكافئ. الفكرة هنا تتجاوز المباني إلى إعادة تعريف التعليم نفسه: من تلقين إلى اكتشاف، ومن حفظ إلى مهارة. والأهم أنها تطرح مبدأ المنافسة، وهو ما تفتقده كثير من مؤسساتنا، حيث يصبح الإبداع ضرورة للبقاء، لا رفاهية اختيارية.


لكن بين الحلم والتنفيذ مسافة لا تُختصر بالشعارات. هذه المسافة تُردم بثلاثة أشياء: العلم، والإدارة، والإرادة السياسية. فكل فكرة -مهما بدت جذابة- تحتاج إلى دراسة جدوى، وتكلفة حقيقية، وخطة زمنية، وآليات رقابة. الحلم الذي لا يخضع للعلم يتحول إلى وهم، أما الحلم المدعوم بالمنهجية فيصبح مشروعًا قابلًا للحياة.


تعالوا نحلم، نعم.. لكن نحلم بوعي. نحلم ونحن نحسب التكلفة والعائد، ونقيس المخاطر، ونستفيد من تجارب الآخرين. نحلم ونحن ندرك أن الحلول خارج الصندوق لا تعني القفز في المجهول، بل تعني إعادة ترتيب الصندوق نفسه.

فالأمم لا تُبنى بالأماني، لكنها أيضًا لا تُبنى بلاها. الحلم هو الشرارة، والعلم هو الوقود، والعمل هو الطريق. ومن يملك الثلاثة، لا يكتفي بأن يتمنى.. بل يغيّر الواقع.

الجريدة الرسمية
عاجل