رئيس التحرير
عصام كامل

عزاء المشاهير.. ولا عزاء للفقراء!

18 حجم الخط

في مشهدٍ يتكرر حتى يكاد يفقد غرابته، تمتلئ سرادقات العزاء حين يتعلق الأمر بذوي النفوذ أو المال أو الشهرة، فتُرصّ المقاعد، وتُلتقط الصور، وتُسجَّل الحضوريات، كما لو كانت مناسبة بروتوكولية، لا لحظة إنسانية خاشعة.

ولعل من الأمثلة الصريحة التي تداولها الناس، ما شهده عزاء والدة رجل الأعمال أحمد عز، حيث بدا الحضور كثيفًا من وزراء، وشخصيات عامة، في مشهد يعكس ثقل المكانة قبل أن يعكس حرارة المواساة. وكذلك ما أُثير حول حضور واسع في عزاء حما وزير التموين الحالي، وهو حضورٌ قرأه كثيرون بوصفه اصطفافًا وظيفيًا أكثر منه تعبيرًا إنسانيًا تلقائيًا.


وعلى الضفة الأخرى، تمرّ جنازات الفقراء صامتة، خفيفة كأنها ظلّ عابر، لا يشيّعها إلا القليل من أهلها، ولا يلتفت إليها أحد من أصحاب القرار أو أصحاب الكاميرات. وبين هذين المشهدين، تتكشف أسئلة موجعة عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، وعن المعايير التي باتت تحكم مشاعرنا وسلوكنا: هل أصبح الحزن ذاته خاضعًا للتدرّج الطبقي؟ وهل صارت قيمة الإنسان تُقاس بقدر ما يملكه من نفوذ لا بقدر ما يحمله من روح؟


إن الحضور الكثيف في عزاءات أصحاب السلطة والمال لا يمكن قراءته بمعزل عن بنية اجتماعية تُعلي من شأن النفوذ، وتُعيد تعريف القرب والولاء وفق ميزان المصالح. فالعزاء هنا لا يصبح تعبيرًا عن مواساة خالصة، بل يتحول -في بعض صوره- إلى رسالة سياسية أو اجتماعية، وإعلان انتماء أو سعي إلى تقارب.

ومن ثمّ، يغدو الغياب عن عزاء الفقير انعكاسًا لا لقلة التعاطف، بقدر ما هو انعكاس لترتيب الأولويات في مجتمعٍ يزداد فيه الوعي بالمكانة أكثر من الوعي بالإنسان.


غير أن هذا التفسير، على واقعيته، لا يُعفي الضمير الجمعي من مسؤوليته. إذ كيف تُختزل قيمة الإنسان في موقعه أو رصيده؟ وكيف يُنسى أن الموت، في جوهره، لحظة مساواة كبرى، تُسقط كل الفوارق وتُعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى؟ يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وهي آية لا تقرر حقيقة بيولوجية فحسب، بل تؤسس لمعنى عميق من العدالة الوجودية، حيث لا يُستثنى أحد، ولا تُمنح امتيازات عند العتبة الأخيرة.


ولعل أبلغ ما يُستحضر في هذا السياق موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين مرّت به جنازة يهودي فقام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: "أليست نفسًا؟". في هذا السؤال البسيط، الذي يحمل من العمق ما يفوق الخطب، تتجلى رؤية إنسانية راقية، تُعيد الاعتبار للنفس البشرية بوصفها قيمة قائمة بذاتها، لا تُقاس بدين ولا بجاه ولا بمال. إنها دعوة صريحة إلى أن يكون التعاطف موقفًا مبدئيًا لا انتقائيًا، وأن تكون الكرامة الإنسانية أصلًا لا استثناء.


أما ما نشهده في جنازات الفنانين من تسابق على التصوير، ومن حرص على توثيق الحضور أكثر من استحضار العبرة، فهو وجه آخر لتحول العزاء إلى مشهد استعراضي. الكاميرا، التي كان يُفترض أن تنقل لحظة صادقة، أصبحت في كثير من الأحيان تُعيد تشكيلها، فتُضفي عليها طابعًا تمثيليًا يفرغها من معناها. وهنا لا يعود الموت مهيبًا كما ينبغي، بل يُختزل إلى خلفية لصورٍ تُنشر وتُتداول، كأنها جزء من سردية يومية لا تستدعي الوقوف ولا التأمل.


هذه الظواهر مجتمعة تشير إلى انزياح في الحسّ الإنساني، حيث تتراجع القيم الباطنية -كالصدق والإخلاص- لصالح مظاهر خارجية تُرضي العين وتخاطب الرأي العام. لكنها، في الوقت ذاته، تطرح سؤالًا أعمق: هل فقد الإنسان المعاصر قدرته على الخلو بنفسه أمام حقيقة الموت؟ هل أصبح بحاجة إلى وسيط -كاميرا أو جمهور- ليشعر بما ينبغي أن يكون شعورًا فطريًا؟


إن استعادة جلال الموت لا تتطلب شعارات، بل مراجعة صادقة للذات. أن ندرك أن العزاء ليس مناسبة اجتماعية بقدر ما هو اختبار للإنسانية، وأن الوقوف في حضرة الموت ينبغي أن يوقظ فينا معنى الزهد، لا معنى الظهور. يقول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، وكأن الآية تُحذر من انشغال الإنسان بما يملكه عن مصيره المحتوم، حتى يفاجأ به زيارة لا رجعة بعدها.

في النهاية، لا يُقاس المجتمع بما يُعلنه من قيم، بل بما يُمارسه في لحظات الاختبار. والعزاء، بما يحمله من رمزية، يظل مرآة دقيقة تكشف ما إذا كانت العلاقات الإنسانية ما تزال دافئة صادقة، أم أنها انزلقت إلى برود المصالح. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نُشيّع موتانا كما ينبغي، أم نُشيّع ما تبقى فينا من إنسانية؟
ما أبلغ المثل العامي الذي يقول: "كلب العمدة مات الناس كلها مشيت في جنازته، والعمدة لما مات مفيش كلب مشي في جنازته"!

الجريدة الرسمية
عاجل