رئيس التحرير
عصام كامل

نظام دولي جديد.. فأين العرب؟!

18 حجم الخط

الآن تتشكل خرائط جديدة  للنفوذ الدولي وكأنه يعاد رسمها على وقع الممرات البحرية، إذ لا تأتي حادثة عبور سفينة صينية إلى إيران باعتبارها مجرد تحدٍ تكتيكي، بل كإشارة رمزية إلى تحوّل أعمق في ميزان الإرادة الدولية. 

 

فحين يعلن دونالد ترامب سياسات الضغط القصوى، وتُقابلها الصين بإصرارٍ هادئ على استمرار التجارة، فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام اختبارٍ مفتوح لحدود القوة الأمريكية ذاتها.


إن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل صار عقدة جيوسياسية تختصر التوتر بين من يملكون القوة العسكرية ومن يملكون مفاتيح الجغرافيا. وبينما تراهن واشنطن على خنقٍ بحري، تراهن طهران على ما هو أبعد من البحر: عمقها البري، وشبكاتها غير التقليدية، وقدرتها على إدارة اقتصاد الحصار. 

وهنا، تدخل بكين بثقلٍ مختلف، ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كفاعلٍ يرى في كسر القيود الأمريكية فرصة لإعادة تعريف قواعد اللعبة.


وفي خضم هذا المشهد، تتحرك الدبلوماسية الإيرانية بقيادة عباس عراقجي، لا بوصفها مجرد وساطة، بل كعملية إعادة تموضع إقليمي. فالاتصالات مع السعودية عبر الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ومع قطر عبر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تكشف أن طهران تدرك أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل معركة شرعية إقليمية أيضًا. 

لم تعد دول الخليج مجرد ساحات تأثر، بل تحولت إلى أطرافٍ مرجِّحة، قادرة -إن أرادت- على تحويل الهدنة إلى اتفاق، أو تركها تنزلق إلى مواجهة شاملة.


وفي موازاة ذلك، تأتي زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الصين كإشارة أوروبية لافتة: القارة العجوز، التي طالما تحركت في ظل المظلة الأمريكية، بدأت تبحث عن توازناتها الخاصة. إنها تدرك أن كلفة الانخراط في صراعٍ مفتوح على الطاقة ستكون باهظة، وأن أبواب بكين قد تكون أقل ضجيجًا وأكثر نفعًا.


أما دخول الهلال الأحمر التركي إلى الداخل الإيراني، فليس مجرد عمل إنساني، بل يحمل في طياته دلالات سياسية ناعمة: أن أنقرة، كعادتها، تتحرك في المساحات الرمادية، حيث تختلط الإغاثة بالنفوذ، والإنسانية بإعادة التموضع.


كل هذه الخيوط، حين تُنسج معًا، ترسم ملامح عالمٍ يتشكل على مهل، لكنه لا يشبه ما قبله. عالمٌ لم تعد فيه الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها منفردة، ولم تعد فيه الصين مجرد تابع اقتصادي، ولا أوروبا لاعبًا ثانويًا. عالمٌ تتعدد فيه مراكز القوة، وتصبح فيه الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والتحالفات المرنة، أدواتٍ لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه، ليس ماذا تفعل واشنطن أو بكين أو طهران، بل: ماذا سيفعل العرب؟
هل يكتفون بدور المتلقي لارتدادات الصراع، أم يمتلكون القدرة على التحول إلى صناعٍ للمعادلة؟ 

إن الجغرافيا تمنحهم أوراق قوة هائلة: من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن احتياطيات الطاقة إلى الأسواق الواعدة. لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي. القوة الحقيقية تكمن في الإرادة السياسية، وفي القدرة على تنسيق المواقف، لا الارتهان لمحاور متصارعة.

إن العالم الجديد لا ينتظر المترددين. فإما أن يكون العرب جزءًا من هندسة النظام الدولي القادم، أو مجرد مساحةٍ تُدار فوقها الصراعات. والسؤال الأهم، الذي سيحدد ملامح العقود القادمة: هل يملكون الشجاعة لاستخدام أوراقهم، أم سيظلون يخشون ثقلها؟

الجريدة الرسمية
عاجل