الدكتور عزيز صدقي من العالم الآخر: إغلاق المصانع كارثة كبرى.. المجاملة تتحكم في اختيار الوزراء.. تعليق الفشل على الزيادة السكانية “حجة البليد”.. ولهذا السبب رفض السادات استقالتي من منصب رئيس الحكومة
في الليلة الظلماء يُفتقد البدر. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلاد والعباد، كان لا بد من الاسترشاد برأي رجل خاض ميدان العمل العام، وحقق منجزات حقيقية على الأرض، بعيدًا عن التنظير والتأطير.
كان لا بد أن يكون ضيفي ممن يُعرفون بالصراحة والصرامة، وليس ممن يؤثرون الصمت أو المداراة؛ خوفًا من أن ينالهم أذى أو ضرر، حتى لو انتقلوا إلى العالم الآخر.
لذا وقع اختياري على رئيس وزراء مصر ووزير الصناعة الأسبق الدكتور عزيز صدقي، المعروف إعلاميًا وتاريخيًا بـ"أبو الصناعة المصرية" الذي تجسدت فيه سمات رجل الدولة الذي نفتقده حاليًا؛ فقد كان شخصية قيادية منضبطة أشد درجات الانضباط.
إدارته للأزمات في العهدين: الناصري والساداتي تنبئ عن رجل يقدر التخطيط العلمي والتفكير المدروس والإخلاص للوطن قبل أي شيء. تكشف مسيرته أيضًا عن شخصية تمتاز بـالنزاهة المطلقة.
فعلى الرغم من تقلده أعلى المناصب الرسمية، لم يُعرف عنه استغلال نفوذه لتكوين ثروة، بل تبرع وباع أملاكه الخاصة تدريجيًا لتأمين حياة كريمة لأسرته. كان يرى أن دوره يكمن في التأسيس والتطوير، وليس في جني المكاسب وحصد الأرباح.
ذهبنا إلى الرجل في عالمه الآخر الذي يسكنه منذ العام 2008، بعد مسيرة طويلة وممتدة، عاصر خلالها رؤساء مصر السابقين: جمال عبد الناصر، محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، وكان شاهدًا على تحولات وتقلبات حادة في تاريخ مصر.
لم أجد صعوبة في الوصول إلى مضيفي؛ فقد اختصر تطبيق "جي بي إس" لي كثيرًا من المشقة والصعوبة. الآن..أنا في ضيافة الدكتور عزيز صدقي الذي لا يزال يحتفظ بملامح جادة ذات هيبة ووقار وحضور طاغٍ.

-السلام عليكم يا دكتور.. لعلك بخير..الحمد لله لم أتأخر عن موعدنا؟
-وعليكم السلام..أهلًا وسهلًا بك.
-كما اتفقت معكم آنفًا..فإن حديثنا سوف يرتكز على الجانب الاقتصادي بشكل مكثف، وقد نعرج قليلًا على الملف السياسي.
-(ضحكة خاطفة): لا بأس، ولكن لماذا..أليس الاقتصاد والسياسة معًا هم عصب الحياة؟
-بلى يا دكتور، ولكن ليس كل ما يُعرف يُقال..فلنبقَ في الحدود الآمنة..
-تحدث عن نفسك من فضلك..
-وهو كذلك يا دكتور..دعنا نبدأ سريعًا: حدثنا عن تجربتك في عهد الرئيس جمال عبد الناصر؟
-كما تعلم فإني تخرجت في كلية الهندسة-جامعة القاهرة. وعندما أدركت الخامسة والثلاثين من عمري، اختارني "عبد الناصر" وزيرًا للصناعة، وكان ذلك في العام 1956، إن لم تخُنِّي الذاكرة. ثم نائبًا لرئيس الوزراء للصناعة والثروة المعدنية في العام ١٩٦٤، ثم مستشارًا لرئيس الجمهورية في شؤون الإنتاج في العام ١٩٦٦، ثم منصب وزير الصناعة والثروة المعدنية عام ١٩٦٨، ونجحتُ خلال فترة وجيزة في تشييد قلعة الصناعة الوطنية، وتمكنت من تأسيس قاعدة صناعية قوية ومتنوعة، خاصة في مجال الصناعات الثقيلة والمهمة، مثل: السيارات والحديد والصلب والأسمنت وغيرها.
-وقبل المنصب الوزاري الأول؟
-أنا ولدتُ في عام١٩٢٠، وتخرجتُ في قسم العمارة من كلية الهندسة-جامعةالقاهرة عام ١٩٤٤، ثم حصلتُ على درجة الماجستير من جامعة "أورجون " الأمريكية عام ١٩٤٧، وأخري من جامعة هارفارد الأمريكية عام ١٩٤٩، ثم حصلتُ على الدكتوراه في التخطيط الإقليمى والتصنيع من جامعة هارفارد الأمريكية عام ١٩٥٠، وكان عنوانها: "تصنيع مصر.. دراسة لإنشاء صناعة الحديد والصلب في مصر"، وبعدها بعام التحقتُ بوظيفة مدرس بكلية الهندسة. وفى عام ١٩٥٣عُينتُ مستشارًا فنيًا لرئيس الوزراء ومديرًا عامًا لمشروع مديرية التحرير، واُختِرتُ وزيرًا للصناعة عام ١٩٥٦، وكنتُ أول وزير صناعة مصريًا..وأظن -أنني من الناحية العلمية والمهنية- كنتُ مؤهلًا، ولم أكن مجرد شخص مغمور تم الإتيان به لتنفيذ الأوامر والتوجيهات فقط!
- على ذِكر ذلك..هل تذكر ملابسات اختيارك لهذا المنصب الرفيع والمهم؟
-عبد الناصر كان يزورنا في مجلس الخدمات الذى أنشأته الثورة برئاسة عبداللطيف بغدادي، وكنتُ عضوًا فيه، وتحدث معي عن موضوع رسالة الدكتوراه، وأبدى إعجابًا به، وطلب لقائي في اليوم التالي، وأخبرني باعتباره رئيسًا للحكومة باختياري وزيرًا للصناعة.

-هل كان لديكم برنامج محدد تنطلقون من خلاله؟
-(مبتسمًا، وقد أدرك المغزي من السؤال): بكل تأكيد؛ فلا تنسَ أني قادم في الأساس من خلفية علمية ومنهجية أكاديمية، وليس من على المقهي أو من البيت. هناك حقائب وزارية لا تصلح فيها المجاملة والعشوائية، مثل: الصناعة والتعليم والثقافة؛ لخطورتها وقوة تأثيرها. المهم..قدمتُ برنامجي، متضمنًا ميزانية إجمالية للرئيس، تناقشنا في تفاصيله عن المدى الزمنى الذى حددتُه، والإمكانيات المادية، والمُعوقات المتوقعَة، والكوادر الفنية والعِمالة.. وفي نهاية المقابلة قال لى: “يا ”عزيز".. لونفذنا ٤٠٪ من هذا البرنامج فقط، فسيكون إنجازًا عظيمًا، ثم طلب منى عرض خطوات البرنامج أمام مجلس الوزراء بنفس طريقة العرض التى قدمتُها إليه، والرد على كل الاستفسارات، كانت الوزارة برئاسته ووافقت على خطتى، وتم تخصيص مبلغ ١٢ مليون جنيه كأول ميزانية للتصنيع، وبدأت المسيرة؛ لتشهد الصناعة المصرية في عهده طفرة تأسيسية مهمة تمثلت في إدخال صناعات جديدة لأول مرة.
-مثل ماذا؟
- نفذنا مشروع تجميع أول سيارة مصنوعة في مصر عام ١٩٥٩، ولها قصة طريفة.
-هل يمكن أن تحكيها لنا؟
-بكل سرور. عندما عرضتُ الموضوع على الرئيس، كان أمامنا عرضان: عربية اسمها “برج وورد” وأخرى اسمها “فيات”، فقال لي: “يا عزيز.. أنا عايز عربية، الموظف الصغير يأخذ زوجته وأولاده ويطلع يتفسح بها، عايزها تأخذ أربعة أنفار، ولازم تبحث هيدفع ثمنها إزاى يا عزيز.. أنا اخترت ”فيات" وكانت بسبعمائة جنيه ونبيعها بالتقسيط، ووضعنا خطة إنتاج ١٢ ألف سيارة، وفوجئنا بسجل حجز كبير"!
-أردتُ كسر جدية الحوار، فقاطعته: هل تعلم سعر الموديلات الجديدة من هذه السيارة الآن؟
-أعلم طبعًا، فقد لامست المليون جنيه وربما أكثر، وهذه نتيجة طبيعية لإغلاق المصانع والتوجه نحو الاستيراد!!
-كنت تؤمن بأهمية الصناعة لخلق نهضة حقيقية للبلاد.
-بكل تأكيد؛ حيث لا نهضة حقيقية دون صناعة. الدول المتقدمة قديمًا وحديثًا هي دول صناعية بالأساس. الصناعة تجعلك طرفًا قويًا في المعادلة، وتمنح استقلالية في كل شيء، وتعفيك من اللجوء إلى الديون والقروض وفوائدها المركبة. الصناعة تجعلك متبوعًا وليس تابعًا.
-وعلى أرض الواقع، وبعيدًا عن المبالغات..ما هي منجزات وزارتكم خلال الحقبة الناصرية؟
-أتحفظ مبدئيًا على لفظة "المبالغات"، لم تكن هناك مبالغات كما يردد البعض؛ فقد توسعنا في الصناعات الحيوية مثل: الحديد والصلب والصناعات الغذائية والهندسية وغيرها لتأمين احتياجات البلاد، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وخلقنا واقعًا لم يكن موجودً!
-وما حكاية "الألف مصنع"؟
-لرقم الألف مصنع قصة. كان هناك مؤتمر، وقال عبدالناصر في خطابه يومئذ: "عزيز صدقى بيقول: إنه اتبنى ألف مصنع، وأنا أطلب منه إنه ينشر بيانًا بالمصانع اللى اتعملت".. وبالفعل نفذنا ما قاله ونشرنا بيانًا عن كل مصنع وتاريخه ومكانه وتكاليفه، وأهدافه، وتبين أنهم أكثر من ألف مصنع، ثم أضفنا لهذا الرقم بعد ذلك الكثير، وما كان ذلك ليحدث لولا أن الدولة كان تولي ملف الصناعة اهتمامًا كبيرًا وحقيقيًا.
-كنتم حريصين على التنويع والتعدد في الصناعات.
-بكل تأكيد، فقد ساهمنا في دعم المصانع الحربية التي أمدت الجيش بالسلاح والذخيرة، كما أولينا اهتمامًا بتصنيع الثلاجات والبوتاجازات والورق، واستطاع القطاع الصناعي أن يقف على قدميه بعد هزيمة ١٩٦٧، ويستكمل مسيرة العمل. فتمت تعبئة الموارد لخدمة الجبهة العسكرية من حيث: العتاد والمؤن.
-هناك قصة وحكاية عن آخر مصنع افتتحه عبد الناصر..
-لعلك تذكر مصنع «ستريت مل»، أو قرأت عنه. هذا أكبر مصنع تم إنجازه مع الاتحاد السوفيتي “السابق” في مجال صناعة الحديد والصلب. افتتاحُه تزامن مع ذكرى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٦٩ بحضور الوزير الروسي المختص. فوجئت بعبد الناصر قائلًا": «إيه ده ياعزيز.. كنت مخبيه فين ده"؟. وفى اليوم التالي ذهبتُ إليه لأشكره، فاطمأن كعادته على العمالة الجديدة التى يستوعبها المصنع، لكن لاحظتُ أنه مهموم. سألتُه: «فيه حاجة ماعجبتكش ياريس»، فأجاب: «لا أبدًا..ده عظيم قوى يا عزيز»، ثم قال: «إحنا لما هنموت منعرفش اللى هيجي بعدنا هيعمل إيه.. عايزين نبني الحاجة اللى مش هيقدروا يهدوها.. عايزين نبني مصانع على قد ما نقدر». عبد الناصر كان حريصًا على العمال وعلى تحسين ظروفهم بوتيرة منتظمة!!
-أنتم أول من وضعتم قانونًا لحماية المستهلك..ما الحكاية؟
-هذا القانون كان لا بد منه؛ لحماية المستهلك من أطماع المُصنعين؛ حيث منح الدولة حق تسعير السلع، وكان ذلك بهدف عدم استغلال صاحب المصنع للتقلبات السوقية واحتياجات المستهلكين للمنتج في الأسعار.
-من الرئيس عبد الناصر إلى الرئيس السادات..حافظتم على وجودكم في قلب المشهد.
-طبعًا، ولا أنكره؛ فقد كنت مقربًا أيضًا من الرئيس السادات الذي كلفني برئاسة الحكومة في مارس 1972 وعضوًا باللجنة العليا للإعداد لحرب أكتوبر، وبعدها بعام اختارني مساعدًا له.
-وما طبيعة دوركم في الإعداد لحرب السادس من أكتوبر؟
-لم أتوقع منك هذا السؤال؛ فالتاريخ يشهد على دورنا في توفير احتياجات البلاد والجيش من السلع وتوفير مخزون استراتيجي يكفي البلاد أربعة أشهر من مختلف المنتجات دون انتظار الدعم من أحد. كما أسهمت القلعة الصناعية المتنوعة في خدمة الجبهة العسكرية، مثل: مصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج والمواد الغذائية. ما جعل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير- رغم عدم مساندتهما لنا في ذلك الوقت- يشهدان بتماسُك الاقتصاد المصري عقب حرب ١٩٧٣، والفضل ما تشهد به مثل هذه الجهات الدولية المعروفة بأهدافها وأطماعها!
-إذن ما هي ملابسات استقالكتم من منصب رئيس الوزراء؟
-رأيتُ أن دوري انتهي بانتهاء حرب أكتوبر وتحقيق النصر العظيم. أذكر هذا اليوم جيدًا، حيث دعوتُ مجلس الوزراء للاجتماع، وعرضت عليهم استقالتي، وهي المرة الأولي في تاريخ مصر التي تجتمع فيها الحكومة من أجل مثل هذا الأمر. الرئيس السادات رفض قبولها في البداية، ثم اقترح عليَّ أن أتولي مسؤولية المجالس المتخصصة فرفضتُ، وعرض عليَّ أن أكون مساعدًا له ورفضتُ أيضا، ورغم ذلك فوجئتُ في اليوم الثاني بالصحف الرسمية تنشر خبر: تعيين عزيز صدقي مساعدًا لرئيس الجمهورية!
-ولماذا يتمسك الرئيس بمسؤول تخلى عن منصبه طواعية؟
-ربما كان يخشي أن يتساءل الرأي العام عن سر استقالتي؛ فلجأ بطريقته إلى تعييني مساعدًا لرئيس الجمهورية.. وعندما لم أذهب إلي مكتبي لمدة أسبوعين، وبدأ الكلام يزداد نشروا شائعة مُسيئة لي، وهذا أسلوب مُتبع ومعروف عندما يريدون تشويه شخص ما والتخلص منه!
-اسم الدكتور عزيز صدقي لم يغب أيضًا مع تقلد الرئيس حسني مبارك مقاليد الأمور؟
-هذا حدث فعلًا؛ فقد رشحني "مبارك" لرئاسة الحكومة في 1982 لرئاسة الحكومة، لكني رفضت!
-لماذا؟
-فضلتُ الابتعاد عن الحياة السياسية، والتفرغ لمكتبي الاستشاري المتخصص في الشئون الهندسية والاقتصادية، وشاركتُ في في العديد من المؤتمرات الدولية الخاصة بالمسائل الصناعية.
-ورغم ذلك تلقيت تكريمًا رفيع المستوي في زمن مبارك.
-كما منحنى عبد الناصر وشاح الجمهورية في 1958، فإن مبارك أيضًا منحنى قلادة الجمهورية في 1982.
-بحكم تجربتك في رئاسة الحكومة..ما رأيك في أداء رؤساء الوزراء من السابقين لك واللاحقين عليك؟
-معظمهم لا يملك قراره، فضلًا عن انعزالهم عن الشعب، وهذه أكبر خطيئة. عندما كنتُ رئيسًا للوزراء أصدرتُ قرارًا باجتماع الوزراء كل شهر في محافظة مختلفة، واستقبال طلبات الجماهير والجلوس معهم لمعرفة مشاكلهم عن قرب، والعمل على حلها بأسرع وقت والجماهير تدخل من غير إذن ويتم الرد علي كل أسئلتهم أيا كانت.. للأسف ما يحدث الآن عكس ذلك تمامًا؛ حيث يعيش الوزراء في أبراج عاجية، ويتبنون خطابًا استعلائيًا. لا يصح أن يتكبر المسؤول عن الشعب مهما كان السبب؛ فعواقب ذلك وخيمة جدًا.
-بشكل عام..كيف كان يتم اختيار الوزراء في مصر؟
-(ممتعضًا)..هذه إشكالية تاريخية ممتدة..كثير من الاختيارات تشوبها المجاملة والعشوائية. الكفاءة العلمية والجدارة المهنية لا يأتيان في صدارة الضوابط الحاكمة؛ بدليل أن عددًا محدودًا من الوزراء من يحقق النجاح، وهؤلاء لا يتم الإبقاء عليهم، بل يتم إبعادهم بطرق مختلفة، في الوقت الذي يتم فيه الاحتفاظ بالوزراء الضعفاء وعديمي الأثر والتأثير!
-برأيك لماذا؟
-باختصار شديد..لأنهم ينفذون المطلوب منهم دون جدال أو نقاش أو مراجعة!
-الحكومات المتعاقبة تبرر تعثرها وفشلها بالزيادة السكانية التي تلتهم موارد التنمية..ما رأيكم؟
-هذه "حجة البليد". عندما كنا نجهز لحرب 6 أكتوبر 1973 مثلًا، وليس هناك أعظم من هذا، كانت السلع متوفرة، وكانت هناك سيطرة على الأسعار، ولا وجود لطوابير أو أي أزمة من التي تعيشونها الآن. دول كثيرة حولكم استغلت الزيادة السكانية سلاحًا قويًا للتنمية والتقدم.
-برأيك ما المعضلة التي تواجه حكومة الدكتور مصطفى مدبولي؟
-المعضلة صنعتها الحكومة بنفسها، عندما آثرت أن تعمل في خدمة الأغنياء. الأصل أن تعمل الحكومة لخدمة الفقراء وحمايتهم والارتقاء بهم. الحكومات الأخيرة تنتقم من الفقراء من خلال رسائل مباشرة تفيد بأنهم عبء جسيم عليها. هذا ليس صحيحًا؛ فالحكومات التي لا تسعى إلى تحسين مستوى الفقراء والمعدمين هي التي تعتبر عبئًا ثقيلًا على الشعوب.
-هل هذه الرسائل مباشرة؟
-(ساخرًا)..بكل تأكيد..الحكومة عندما تلجأ إلى خصخصة الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، فإنها تتخلص من واجباتها المنوطة بها، وتُلقى بالفقراء والغلابة إلى غياهب المجهول.

-على ذِكر الخصخصة..ما رأيك في واقع الصناعة المصرية حاليًا؟
- (تغيرت ملامح الرجل وازدادت حدة): صناعة؟ أية صناعة يا رجل؟ نحن لم نبنِ المصانع حتي تبيعوها او تغلقوها، بل لتكون قاعدة إنتاجية ترتكزون عليها، تستغنون بها عن مد أيديكم للآخرين، وتحققون من خلالها اكتفاء ذاتيًا، وتستوعبون فيها الأيادي العاملة، بدلًا من تشريدها تتسكع في المقاهي أو تعمل على التكاتك. تخلي الحكومة عن التصنيع مسألة في غاية الخطورة، لأنها تعني القضاء على البنية الصناعية وتعطيل الاستثمار، لصالح مصانع متفرقة غير متكاملة، بما يُضعف الاقتصاد، ويجعله أكثر عُرضة للهزات والضغوط. الولايات المتحدة والدول الغربية -برغم تركيزها على القطاع الخاص- إلا أنها متمسكة بدورها في رعاية وتنسيق النمو الاقتصادي والصناعي تحديدًا..باختصار..كنا نبني وأنتم تبيعون!
-ولكن ربما اضطرت الحكومة إلى بيع هذه المصانع لأنها لم تعد مُجدية؟
- (تكهرب الجو)..ماذا تقول؟ مصانع إيه اللي لم تعد مُجدية: الحديد والصلب واللا الغزل والنسيج واللا إيه واللا إيه؟ إغلاق المصانع وبيع القطاع العام شرطان أساسيان لصندوق النقد الدولي والمعونة الأمريكية..عندما كنا نعتمد على أنفسنا كان الوضع أفضل، وكانت مصر تُقارن باليابان!
-اليابان مرة واحدة.. وما الذي حدث بعد ذلك؟
ـ اليابان لم تغير سياستها. نحن مَن غيرَّنا سياستنا، حتى أصبحت مصر الكبيرة بلدًا مديونًا بديون وفوائد مركبة لن تنتهي عن قريب. فوائد الديون تلتهم -كما علمتُ- أكثر من 55% من مصروفات الدولة. أنتم أمة كبيرة، أظن أن عدد السكان تجاوز المائة مليون نسمة، كيف لا تحققون اكتفاء ذاتيًا لما تأكلون وتشربون؟ لا بد من إعادة فتح المصانع، وإنشاء غيرها، وزيادة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، من دون ذلك.. فإن المستقبل يبقى غامضًا.
-الحكومة تتحجج دائمًا بأن زيادة السكان عائق أمام التنمية والاكتفاء الذاتي؟
-هذا كلام مغلوط؛ خاصة أن ثلثي السكان، وربما أكثر من الشباب، مصر يسكنها نحو 70 مليون شاب، هذه طاقة عظيمة وجبارة، ولكنها -بكل أسى وأسف- غير مستغلة. هناك دول تغلبت على الزيادة السكانية، وجعلتها مصدر قوة لها مثل: الصين. لماذا لا تدرس الحكومة التجربة الصينية وتستلهمها، بدلًا من ترديد الحجج الواهية والساقطة؟
- هل يمكن الخروج من الأزمة الحالية ؟
- نعم؛ من خلال الاعتماد على أنفسنا وقدراتنا المحلية والاهتمام الحقيقي بالصناعة وتشجيع الاستثمار والتوقف عن الاقتراض.. افعلوا مثلما فعلنا من قبل أثناء إعداد مصر لحرب أكتوبر ونجحنا بشهادة التاريخ..أتمنى ألا تخرجوا من التاريخ..إني أدعو لمصر وأنا هنا في العالم الآخر بأن تسترد عافيتها وقوتها ومكانها ومكانتها المفقود؛ فمثلي لا يملك سوى الدعاء والأمنيات الطيبة!
