مدبولي.. رئيس وزراء من كوكب تاني!
في جولته الميدانية التي قام بها في الإسكندرية يوم الأحد الماضي، قال الدكتور مصطفى مدبولي إن مديرا لشركة مياه غازية عالمية قال له بالحرف الواحد: إنه منبهر من جملة الإصلاحات التي تقوم بها الدولة المصرية، ووعد بأن يكون سفيرا لمصر لجذب الاستثمارات إليها!
وظني -الذي قد يصل إلى حد اليقين- أن السيد رئيس الوزراء بحاجة إلى سفير داخلي، يقنع المواطن المصري المكتوي بنيران قرارات حكومته، بأن ما يجري على الساحة الاقتصادية أمر جيد، وهذا الظن إنما يأتي من قناعتي كمواطن فقد الأمل، ويعاني بشكل يومي من أزمات عنيفة، أصبحت مثل غيري أضعف من القدرة على مواجهتها.
السيد رئيس الوزراء قال بالحرف الواحد: "بعد بضع سنين ستكون الدولة في مكان آخر" ولعلي أكون صادقا إن قلت للدكتور مدبولي: إننا أصبحنا فعلا في مكان آخر، ومن المنصف أن أصف لك هذا المكان الآخر، نحن يا سيادة رئيس الوزراء في قاع المحنة، وفي عنفوانها، ونعيش تحت ضغط لم نر له مثيلا من قبل.
نعم نحن في مكان آخر، مكان لم يترك لنا مساحة من الأمان الاقتصادي، وأصبحت الحياة اليومية جنونا يضربنا بالخوف والرهبة والرعب، وأصبحنا فعلا في مكان آخر لا يعرفه الوزراء، ولا رئيسهم، مكان أبعد من تصورات الدكتور مصطفى ورفاقه في مجلس الوزراء، مكان أظلم من ساعات الليل البهيم.
ومشكلة مدبولي أنه لا يفكر كثيرا فيما يقول ولا يدرك باعتباره لم يمارس السياسة، ولا يعرف دروبها ولا تفاصيلها ولا يدرك أن الكلمة إما أن تكون نورا أو نارا..
مشكلة رئيس الوزراء أنه لم يضع نفسه موضع أب يهيم على وجهه أطراف النهار وآناء الليل في أعمال متلاحقة، من أجل أن يوفر مجرد لقمة عيش لأبناء لم يعد قادرا على الحلم بأن يكمل معهم مهمته كأب أو كمسئول أو حتى كراع مسئول عن رعيته.
مشكلة مدبولي أنه لا يراجع كيف يتعامل معه الشعب المصري على شبكات التواصل الاجتماعي، ليعيد له تصريحاته حول الاكتفاء الذاتي من المواد البترولية، ويحدد بدقة موعد ذلك دون أن يحدث، لا يعرف أن الناس تعيد وتزيد في تصريحاته التي قال فيها ما قال وحدث عكس ما قال.
ومع أننا لسنا في موقع النصح ولا في مقامه، إلا أن الانشغال والهم يفرضان علينا أن نقول لسيادته ما نتصور أن أحدا لن يقوله: قبل الإدلاء بتصريحات لابد أن تعرف موقعك الحقيقي من الناس، وأن تدرك فيما تفكر الجماهير، وأن توقن أن لحديثك صدى في نفوسهم، وأن الصدق بناء وليس شعارا.
ومن موقع الناصح الأمين لا أتصور أن حكومة سيادتكم ستفعل ما فعلته في المواسم السابقة، وأنكم تشعرون يما يشعر به المواطن، ولن يكون لكم مقر ومستقر هذا العام في العلمين، ولن يخرج الوزراء بحاشياتهم إلى فنادقها ورمالها الناعمة البيضاء من غير سوء، وأنكم ستتخذون قرارا حكيما، بالبقاء في القاهرة توفيرا للمال، وتوقيرا لمعاناة الغلابة، وهم الأغلبية العظمى التي لا تعرفها.
يا سيادة رئيس الوزراء النمو والتعافي والتقدم مفردات ليست منفصلة عن واقع الناس، النجاح يعني أن يحظى جيب المواطن بنسبة منه، أن ينام قرير العين، أن يكون آمنا على يومه، مؤمنا بغده وحالما بمستقبل واعد لأبنائه، النجاح ليس بيت شعر نردده، النجاح يعني الرضا والناس غاضبة وغير راضية.
إن شعبا عظيما مثل المصريين تحمل أعباء لم تتحملها شعوب مثله، يستحق أن يثق بك وبوزراء يسكنون أبراجا عاجية، يستحق أن تنصت إلى أناته، وأن تستمع إلى شكواه، وأن تتحرك من أجل استعادته مقاتلا في معركة البناء، والأهم أن تكون هناك معركة بناء من أجل الناس، وأن يكون لديهم رئيس وزراء من شحمهم ولحمهم وليس من كوكب تاني!





