هل العيد سعيد حقا؟
اعتدت طوال حياتي الصحفية قضاء أيام العيد، أي عيد، داخل صالة التحرير، في العادة يسافر الزملاء إلى محافظاتهم وأبقى ومعي عدد من رفاق المهنة، وعادة ما نقضي أياما جميلة رغم زحمة الأخبار والأحداث محليا ودوليا، وكم من أعياد قضيناها بين الطوارئ والخوف وربما الرعب.
فجر اليوم صليت الفجر، واتجهت إلى إحدى ساحات الصلاة بمنطقة المعادي، صلينا العيد وتوجهت مباشرة إلى مقر فيتو، سريعا اطلعت على سير العمل ومناطق تواجد الزملاء بالقاهرة الكبرى والمحافظات، ثم أدرت بأصابعي إلى مواقع الأخبار العالمية اطلاعا بما يجري على الساحة الدولية.
لا يزال قصف العدو الصهيوني للمدنيين في لبنان يجري وكأنه فعل مقدس، ولا يزال العرب صامتين وكأن لبنان ليس بلدا عربيا ولأهله علينا أفضال، غزة لا تسلم من هجمات بربرية على ساكني الخراب والدمار، العدو الأمريكي لا يزال يلعب بالنار على مقربة من جزر إيران.
عينة من أخبار الصبح في يوم عيد الأضحى، الصين توسع إنتاج مقاتلات الجيل الخامس بعيدة المدى، البنتاجون يدمج الذكاء الاصطناعي في مسيرات لوكاس الانتحارية، بريطانيا تدمج صواريخ منخفضة التكاليف في مقاتلات تايفون، أورشينك.. صاروخ روسي فرط صوتي يعزز قدرات الردع العسكري، الجيش الأمريكي يسرع في نشر مسيرات هورنت في أوروبا، كاستريل 2 صاروخ تايوني قادر على اختراق المدرعات الصينية، أوكرانيا تطور قنبلة انزلاقية موجهة لضرب المواقع المحصنة.
قائمة الأخبار لم تنته بعد، وأحزان الإنسانية لن تنتهي بعد، سكان الجنوب عادة ما ينتظرون تلك الأخبار ليعلموا أين يقفون ومتى يستسلمون وإلى متى سيظل هذا الرعب يسيطر على الحياة الإنسانية، سباق محموم من أجل القتل والصراع والدمار والخراب.
بين الحين والحين يمنحني الهاتف إشارة وصول رسالة على الواتس أو الماسنجر، أقرأ الرسالة سريعا، عيد سعيد عليك وعلى الأسرة، أرد على الرسالة بنفس منطوقها، عيد سعيد عليك وعلى أسرتك، أعود إلى قائمة الأخبار، قتلى هنا وقتلى هناك، أسأل نفسي: كيف يكون العيد سعيدا هنا وهو في معظم مناطق العالم ليس سعيدا بالمرة؟
تتوارى الأخبار السعيدة والتقارير المبهجة حول مواقف إنسانية لندرتها، وربما لأن في أخبار الحروب ما يهم الناس، وجوه المارة في شوارع القاهرة لم تكن بعيدة عن هذا المزيج المتناقض، بين رسالة عيد سعيد وجيوب أرهقها نظام لا يجيد إلا "حلب الناس" واستنزافهم والإصرار على وضعهم فوق مقصلة الجباية.
أسائل نفسي بين قوائم أخبار الحروب والقتل والتدمير، وبين قرارات الجباية والفقر الذي يحاصر الجميع، وبين تلك الرسالة التي تخلو من مضامينها الإنسانية: عيد سعيد، وأسأل بجدية: هل عيدنا سعيد فعلا؟





