يوم الصحفي والشهادة الزور
في يوم صيفي تآمرت فيه درجات الحرارة مع الرطوبة ليصبح المنتج الطقسي واحدا من أيام جهنم، كانت صالة التحرير شبه خالية من الصحفيين، ولم يكن حريصا على الحضور إلا عدد من المراجعين اللغويين ومجموعة الديسك المركزي وبعض المحررين.
بعد لحظات ارتفعت الأصوات بعضها غاضبة، وكثير منها رافضة، وقلة أعملت العقل وأرادت أن تعرف السبب الحقيقي وراء قرار الفصل التعسفي الذي صدر بحق زميل لنا، كان قد أحيل للتحقيق في واقعة صحفية مرتبطة بالأداء المهني وقيم النشر.
أردت الوقوف على حقيقة الأمر فدار حوار بيني وبين رئيس التحرير سألته: لماذا صدر قرار بفصل زميلنا بعد الانتهاء من التحقيقات؟ كانت الإجابة مقتضبة: زميلكم زور أهم شهادة تؤهله للعمل صحفيا، ظننت أن الإدارة اكتشفت أن زميلنا زور شهادة تخرجه من الجامعة.
بهدوء سألت السيد رئيس التحرير: معقولة زميلنا يزور شهادة تخرجه؛ أجاب: لا زميلكم زور شهادة التحاقه بالعمل صحفيا.. لم أستوعب ويبدو أن الرجل أدرك أن ما قاله لم يصل إليّ، استطرد قائلا: هل يمكن لواحد لم يتخرج من كلية الطب أن يمارس مهنة الطب؟ قلت: هذه جريمة.
قال رئيس التحرير: زميلكم وليس زميلي أثبتت التحقيقات التي أجريت معه أنه يكذب، ارتسمت على وجهي علامات استفهام أدركها الرجل، فاستطرد قائلا: لقد تورط زميلكم في نشر أخبار كاذبة مع إدراكه الكامل أنها كاذبة وقد نشرها انتقاما من الوزير بسبب موقف شخصي.
ولم يترك لي رئيس التحرير أن أتدخل وبدأ يشرح وجهة نظره، الصحفي مؤتمن من المجتمع ومسئول مسئولية مباشرة ومكلف بنقل الحقيقة إلى الناس، وعندما يمعن في نشر أخبار مصطنعة وكاذبة فهو بذلك فقد مسوغات التحاقه بمهنة لو شابها الكذب لأصبحت وبالا على المجتمع وعلى أصحاب رسالة الكلمة.
حاول عدد من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين ساعتها التدخل، إلا أن رئيس التحرير لم يقدم إلا وعدا واحدا، هذا الوعد هو أن يحصل المفصول على قرار فصل تعسفي يمكنه استخدامه في المحكمة ليحصل على تعويض، ومغزى ما فعله رئيس التحرير أن يدفع أي مقابل مادي دون عودة المفصول إلى العمل في مهنة الصحافة.
كانت حادثة الفصل قد انتشرت بين الزملاء في الجريدة، وأدرك الجميع أن هناك مسوغات أكثر أهمية من شهادة الجامعة لابد من توفرها في الصحفي، فإن فقدها لابد من طرده تماما من المهنة ومنعه من ممارستها، حتى لا يكون عارًا على أصحاب الكلمة وحاملي رسالة الصحافة.
تذكرت تفاصيل تلك الواقعة في يوم الصحفي الذي مر علينا أمس في ظل ظروف فقدنا فيها البوصلة وكثيرًا من القيم، ونعاني أكثر ما نعاني ليس من الظروف المادية فقط، ولكن المعاناة الأكبر هي فقدان الكثيرين من مسوغات العمل في مهنة يصبح العامل بها وفيها صاحب شهادة، إما أن تكون شهادة حق أو شهادة زور.





