طريق الهجرة، عبد الله بن أبي بكر عين الرسول السرية التي نقلت الأخبار في الخفاء
مع استحضار الهجرة النبوية والحديث عن بدء عام هجري جديد، يتجدد الحديث حول هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والأشخاص الذين شاركوا فيها وأدوارهم، وخلال السطور التالية نستعرض معكم قصة عبد الله بن أبي بكر الصديق، الذي كان يأتيه بالأخبار هو صاحبه رسول الله أثناء الهجرة، عبد الله بن أبي بكر الصديق حامل الأخبار في الهجرة النبوية.
نسبه
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ القرشي التيمي، ووالده هو أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، وهو خليفة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وآله وسلّم- الأول، وأمه قتيلة بنت عبد العزّى.
أما عن إخوة عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- فهم: أسماء بنت أبي بكر الصديق (ذات النطاقين). محمد بن أبي بكر الصديق. أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق. عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
ولد عبدالله بن أبي بكر قبل البعثة، وأسلم مبكرا، وكان موضع ثقة أبيه، ودوره معروف أثناء هجرة الرسول فقد كان هو الذي يأتي بالأخبار إلى الرسول، صلى اللَّه عليه وسلم، يومَ الهجرة، وحكاية ذلك معروفة
صفاته
أورد البخاري - رحمه الله - في صحيحه في حديث عن الهجرة صفاتٍ كريمةً لعبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما تدلُّ على فطْنته وذكائه وتضحيته؛ فقد جاء: "ثم لَحِق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فَكَمَنَا فيه ثلاثَ ليالٍ، يَبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثَقِف لَقِن، فيُدلِج من عندهما بسَحَر، فيُصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يَسمع أمرًا، يَكتادان به إلا وعاه، حتى يَأتيَهما بِخبَر ذلك حين يَختلِط الظلام"
زواجه
كان عبدالله كاتبا لأبيه بعد خلافته، وتزوج عبد الله من عاتكة بنت زيد العدوية، أخت الصحابي الجليل سعيد بن زيد، وكانت ذات جمال وعقل وجزالة رأي، وكان يحبها وتحبه حبا عظيما، وكانت هي كل حياته، لدرجة أنها شغلته عن شهود المشاهد، بل حتى عن العبادة، فغضب أبوه وأمره بطلاقها، فطلقها طلقة رجعية، ثم ندم، فقال في ذلك شعرا، فرق له أبوه فأمره بمراجعتها فراجعها، ومات وهي عنده، فرثته بقصيدة بليغة.
وفيما يأتي ذكر شعر عبدالله بن أبي بكر في عاتكة، حيث أخذ يردّد:
يقولون طلقها وخيم مكانها مقيمًا تمني النفس أحلام نائم
وإن فراقي أهل بيت جميعهم عَلَى كثرة مني لإحدى العظائم
أراني وأهلي كالعجول تروّحت إلى بوّها قبل العشار الروائح
فأصرّ والده عليه حتى طلّقها وهو يقول:
أعاتك لا أنساك مَا ذر شارق وما ناح قمري الحمام المطوق
أعاتك قلبي كل يوم وليلة إليك بما تخفي النفوس معلق
ولم أرَ مثلي طلق اليوم مثله ولا مثلها فِي غير جرم تطلق
لَهَا خلق جزل ورأي ومنصب وخلق سويٌ فِي الحياء ومصدق
فسمعه والده أبو بكر -رضي الله عنه- فرقّ قلبه له، فأمره فارتجعها، فقال ابنه حين أرجعها:
أعاتك قد طلقت فِي غير ريبة وروجعت للأمر الَّذِي هُوَ كائن
كذلك أمر اللَّه غاد ورائح عَلَى الناس فيه ألفة وتباين
وما زال قلبي للتفرق طائرًا وقلبي لما قد قرب اللَّه ساكن
ليهنك أني لا أرى فيه سخطة وأنك قد تمت عليك المحاسن
وأنك ممن زين اللَّه وجهه وليس لوجه زانه اللَّه شائن
المشاهد التي حضرها
بعد الهجرة لم يسمع له بمشهد، إلا في الفتح وحنين والطائف، فإن أصحاب المغازي ذكروا انه رمي بسهم أثناء حصار الطائف، وقيل أصابته حجر، فجرح ثم اندمل، ثم انتقض، فمات في خلافة أبيه في شوال سنة 11هـ، وكان يعد من شهداء الطائف.
وفاة عبد الله بن أبي بكر الصديق
تُوفي عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنه- في شوال سنة 11 هـ بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأربعين يومًا، حيث جُرح عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنه- في يوم الطائف، وذلك عندما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- لحصار هوازن وثقيف في الطائف ونصب المنجنيق مدة 40 يومًا، فرماه أبو محجن الثقفي بسهم، وبقي يتألم منه ثم اندمل الجرح، ثم توفّي على إثر ذلك الجرح، وشارك في دفنه عمر بن الخطاب وطلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهم- ونزلوا في قبره.
وقد جاء في بعض الروايات أن عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنه- كان قد اشترى حلة -كفن- كان قد اشتُري للنبي -صلى الله عليه وسلم- حتى يُكفّن به ثم تُرِكت، فاشتراها عبد الله وقال: (لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله عز وجل لنبيه لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها)،
وقيل إن هذه الحلّة كانت أصلًا لعبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنه-، وقد أحضرها ليكفّن بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها ثم نزعت عنه، وقد أدرك أن الله -تعالى- قد اختار لنبيّه الأفضل بعدم تكفينه بها، فرفض عبد الله -رضي الله عنه- أن يُكفّن فيها وتصدّق بها.
رثاء زوجته له
كان فراق عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنه- صعبًا جدًا على قلب زوجة عبدالله بن أبي بكر، حيث كان يُحبّها حبًّا شديدًا وهي تعلم ذلك، حتى أنه اشترط عليها ألا تتزوج بعده مقابل أن يكتب لها مالًا أو أرضًا، وهذا بسبب غيرته عليها وحبه الشديد لها، وكان يريد أن تكون زوجته في الآخرة، وحين استشهد رثته زوجته عاتكة بشعرٍ حسن، حيث قالت في عبد الله:
رزئت بخير الناس بعد نبيهم وبعد أبي بكر وما كان قصرا
فآليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فله عينا من رأى مثله فتى أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضه إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا
عبد الله بن أبي بكر الصديق حامل الأخبار في الهجرة النبوية
كان دور عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- مهمًا جدًا في الهجرة النبوية، ويتلخّص دوره فيما يأتي:
مراقبة تحركات قريش: حيث كان يراقب تحركات قريش في بحثها عن محمد -صلى الله عليه وسلم- وأبيه أبي بكر -رضي الله عنه- أثناء تواجدهما في غار ثور.
نقل أخبار قريش إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: حيث كان يجلس في مجالس قريش في الصباح ويذهب إلى الغار في المساء، وهذا ساعدهم في رسم خطة دقيقة للهجرة وعدم تعريض النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنفسهم للخطر.
إحضار الطعام للنبي -صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الغار: حيث كان يُحضر لهما الطعام ليلًا، ويؤنس وحشتهما في الغار.








