الشباب وأولوياته ورغباته!
المشكلة الكبرى التي تواجه الشباب اليوم ليست هي الفقر بالمعنى التقليدي للكلمة، ولا الجهل كما كان يُتصور في أزمنة سابقة، فالمعرفة أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، والمعلومات تتدفق على مدار الساعة إلى الهواتف والشاشات. غير أن التحدي الأخطر الذي يتشكل بصمت في وجدان الأجيال الجديدة هو تراجع القدرة على ضبط النفس وتأجيل الرغبات ومقاومة الإغراءات المتدفقة من كل اتجاه.
لقد تغير العالم خلال العقود الأخيرة بصورة جذرية؛ فبعد أن كانت معظم الحاجات تتطلب صبرًا وسعيًا وانتظارًا، أصبحت الاستجابة للرغبات تتم في لحظات معدودة. بضغطة زر يصل الطعام، وبضغطة أخرى يبدأ الترفيه، وبضغطة ثالثة ينفتح عالم لا نهائي من الصور والمقاطع والرسائل والمثيرات.
هذا التحول لم يغير أنماط الحياة فحسب، بل أعاد تشكيل البنية النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر. فالإرادة، شأنها شأن العضلات، تضعف حين لا تُستخدم، وتترهل حين لا تُختبر. وكلما اعتاد الإنسان الإشباع الفوري تراجعت قدرته على الصبر والمثابرة وتحمل المشقة.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من أزمات الشباب الراهنة؛ فهم لا يفتقرون غالبًا إلى المعرفة، بل يعيشون في بيئة تجعل الالتزام بما يعرفونه أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في هذا التحول. فهذه المنصات لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى صناعات ضخمة تتنافس على خطف انتباه الإنسان أطول مدة ممكنة. ومع الوقت أصبح معيار النجاح لدى قطاعات واسعة هو القدرة على إثارة الضجيج لا إنتاج القيمة، وعلى صناعة التريند لا صناعة الإنجاز.
وبدل أن تتصدر المشهد نماذج العلم والعمل والإبداع، وجدنا مساحات واسعة تُمنح لأصحاب الإثارة السريعة والمحتوى السطحي. ولم تعد المشكلة في وجود هذا النوع من المحتوى، فهو موجود في كل المجتمعات، وإنما في تضاؤل قدرة المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية على تقديم بدائل جاذبة وقادرة على المنافسة.
الأمر نفسه ينسحب على الدراما والقوى الناعمة التي كانت يومًا من أهم أدوات تشكيل الوعي في المجتمع المصري. فمصر التي امتلكت لعقود طويلة مشروعًا ثقافيًا وفنيًا أثر في العالم العربي بأسره، تراجعت مكانتها النسية أمام موجات من المحتوى السريع الذي يستهلك الانتباه دون أن يضيف معرفة أو يرسخ قيمة أو يبني وجدانًا.
إن القوة الناعمة ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزء من الأمن القومي وبناء الشخصية الوطنية وصناعة الصورة الذهنية للدولة في الداخل والخارج. وعندما تضعف هذه القوة، تتسع المسافة بين الأجيال ومصادرها الثقافية الجادة، ويصبح الشباب أكثر عرضة للتأثر بمصادر خارجية قد لا تشارك المجتمع أولوياته أو قيمه.
ومن هنا يبرز ملف آخر لا يقل خطورة، وهو نزيف العقول والكفاءات إلى الخارج. فالشباب المتميز لا يبحث فقط عن دخل أعلى، بل يبحث أيضًا عن بيئة تقدر العلم والبحث والابتكار وتوفر مسارات واضحة للتقدم المهني. وحين يشعر أن فرصه محدودة أو أن طاقاته غير مستثمرة، يصبح الرحيل خيارًا منطقيًا بالنسبة له. والنتيجة أن الدولة تنفق على التعليم والتأهيل سنوات طويلة، ثم تجني ثمار هذه الاستثمارات اقتصادات أخرى أكثر قدرة على الاستيعاب والتوظيف.
في هذا السياق تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة ترتيب الأولويات العامة. فمن حق الحكومات أن تبحث عن إصلاح منظومة الدعم وترشيد الإنفاق العام، فهذه قضية قديمة صاحبت الحكومات المصرية المتعاقبة منذ أحداث يناير 1977 التي عُرفت شعبيًا بانتفاضة الخبز، وسماها الرئيس الراحل أنور السادات آنذاك "انتفاضة الحرامية".
لكن اختزال النقاش العام في قضية الدعم وحدها يظل قاصرًا إذا لم يتزامن مع مشروع أوسع للإنتاج والتنمية والاكتفاء النسبي من السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والغذاء. فكل تقدم حقيقي في الإنتاج الزراعي والصناعي يقلل من أعباء الدعم ويمنح الاقتصاد مساحة أكبر للحركة والاستقلالية.
إن بناء الأوطان لا يتحقق فقط بالموازنات والأرقام، بل ببناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والانضباط. والمعركة الحقيقية التي ينبغي أن تشغل المجتمع والدولة معًا ليست معركة الأسعار وحدها، بل معركة الوعي والإرادة والهوية.
فالشباب لا يحتاجون إلى خطاب يلومهم أو يدينهم بقدر ما يحتاجون إلى مشروع يمنحهم الأمل، وقدوة تستحق الاقتداء، ومساحة يثبتون فيها قدراتهم، ومحتوى ثقافيًا وإعلاميًا يرتقي بعقولهم بدل أن يستهلكها.
وعندما تستعيد الدولة والمدرسة والأسرة والإعلام أدوارها في بناء الإنسان، يصبح من الممكن وقف نزيف العقول واستعادة القوة الناعمة وتجديد الثقة في المستقبل. فالأمم لا تنهض بكثرة الموارد وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى إرادة، والإرادة إلى عمل منتج يصنع التقدم ويحفظ للأجيال القادمة حقها في مستقبل أفضل.
