صنفرة القلب الربانية
عزيزي القارئ ما زال الحديث عن السبيل إلى الفتح الرباني والتحقق بمقامات ومنازل القلوب والتي منها: الصبر والشكر والرضا والتوكل واليقين والتسليم الكلي لله عز وجل، وذكرنا أن الأمر كله متعلق بتزكية النفس وتطهير القلب من العلائق والأغيار ومن حب الدنيا، والزهد فيما سوى الله تعالى، وقلنا إن ذلك لا يتحقق إلا بمجاهدة النفس والمداومة على ذكر الله تعالى.
ويأتي على رأس الذكر كلمة الحق والتوحيد كلمة "لا إله إلا الله" وفي الحديث عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله"، ثم يأتي بعد ذلك الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله فبها يكفى الهم وتقضى الحوائج، ويفتح باب الوصل بالله والقرب منه سبحانه، وينال العبد رضى الله عز وجل ورضوانه..
وفي هذا المقال نشير إلى صنفرة القلب وتطهيره من آثار المعاصي والذنوب ولنبدأ بتعريف الإستغفار، ومعناه: طلب المغفرة من الله؛ ولقد أمرنا الحق سبحانه وحثنا عليه، فقد قال تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشـرِك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة).
هذا ومن خصائص الإستغفار أنه يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، ومن العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإن العبد في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة يزداد علمًا بالله وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشـرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله..
ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقَّها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطرٌّ إليه دائمًا في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد؛ لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضـرَّات، وطلب زيادة القوة في الأعمال القلبية والبدنية.
هذا والواجب حضور القلب عند ذكر الله تعالى وإستغفاره، وفضل الإستغفار فضل عظيم، ونلحظ هذا الفضل في آيات كتاب الله تعالى فنجده تارة يأمر الله تعالى عباده به، ويحثُّهم عليه، ويُحرِّضُهم عليه؛ كقوله عز وجل: "وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"، وقال تعالى: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ"، "فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ".
ونجده تارة يمدح أهله ويُثني عليهم؛ كقوله تعالى: "الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ"، وقوله تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ"، وقوله تعالى: "وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ".
ونجده تارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره؛ كقولـه تعالى: "وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا"..
هذا وينادي الله تعالى عباده ويدعوهم إلى المسارعة إلى التوبة والرجوع إليه، فيقول تعالى: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"، وقال تعالى: "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ".. هذا وللحديث بقية.. يتبع.
