رئيس التحرير
عصام كامل

ريفية على مائدة ترامب

18 حجم الخط

"الأشياء التي يراها الآخرون مستحيلة أقبلها، والأعمال التي يهرب منها الجميع أقبلها".. تلك هي الحكمة التي أطلقتها أغنى سيدة أعمال عصامية في العالم لعام 2025 م، والتي ظهرت أثناء زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الصين، وهي تتوسط اثنين من عمالقة التكنولوجيا في العالم، الرئيس التنفيذي لشركة آبل تيم كوك، وإيلون ماسك مؤسس تيسلا.
 

من القصة التي أفرد لها الكاتب الصحفي هاني زايد على موقع فيتو الإلكتروني مساحة من التفاصيل، يبدو أننا أمام نموذج إنساني ملهم قلَّما جاد الزمان بمثله، من إرادة إنسانية فريدة وعزم وصلابة في التحدي، لتبدأ إنسانة حياتها من القاع إلى قمة النجاح والثراء على مستوى العالم.


هي السيدة الصينية تشو تشونفي، فتاة ريفية بسيطة طاردتها الظروف القاسية، عندما فقدت أمها وأصيب والدها في حادث أفقده بصره، وألحق أضرارًا أخرى به، فعاشت الأسرة البسيطة على صناعة السلال اليدوية.

 

تركت تشو دراستها وغادرت القرية إلى مدينة شنزن للعمل في مصنع لزجاج الساعات، لم تستسلم تشو لواقعها المرير، كانت تعمل طوال اليوم على خط الإنتاج، وتدرس في أوقات فراغها في المحاسبة والحاسوب والتخليص الجمركي والقيادة، وبعد ثلاث سنوات فقط أصبحت مديرة للمصنع الذي بدأت فيه مجرد عاملة.


ضاقت تشو من تضييق الفرص عليها لصالح أحد أقارب صاحب المصنع، فلم تتوان في الاستقالة، لتحصل على مكافأة نهاية الخدمة التي لم تتعد الـ ٢٠ ألف يوان، وهي تعادل ثلاثة آلاف دولار، لتجمع ثمانية من أقاربها وتبدأ مشروعها الخاص من شقة صغيرة، أصبحت بقدرة قادر مصنعًا ومقرًّا سكنيًّا في وقت واحد.


كانت تطارد تشو حظها يوميًّا بالمرور على العديد من المصانع، بحثًا عن عقود لمصنعها الصغير، تنمو ببطء، تفوز بصفقات على قدر ورشتها، ولكنها كانت تحلم بما هو أبعد من ذلك، عشر سنوات وهي تتنقل بين المصانع بصورة شبه يومية بحثًا عن فرصة ذهبية.


في العام 2003م طرحت شركة موتورولا على الصناع فكرة إنتاج هاتف بزجاج فائق النحافة والنقاء، وهي المواصفات التي رآها الجميع في حينها مهمة شبه مستحيلة، ورفضوا الإقدام عليها لصعوبة تنفيذها، وهنا غامرت تشو لتقبل المهمة المستحيلة.


كانت تشو ترى أن العبقرية لا تكمن في ما يبحث عنه الجميع، وإنما في ما يهرب منه الجميع، أو ما يتخلى عنه الآخرون، قبلت التحدي وبدأت في دراسة الأمر، وتوصلت إلى إنتاج "لينس تكنولوجي" زجاج غير قابل للكسر لصالح موتورولا، وحقق الهاتف مبيعات ضخمة على مستوى العالم.


انطلقت تشو إلى العالمية، وأصبح اسم مصنعها واحدا من المقاصد التي تسعى كبريات الشركات إليها، وكانت النقلة النوعية الثانية عندما أرادت شركة آبل تطوير أول هاتف آيفون بزجاج مقوى غير مطروح تجاريا آنذاك، وكان مصنع تشو تشونفي هو المحطة التي قدمت النموذج الأمثل.


أصبحت شركة تشو أحد أهم مورد للزجاج والتقنيات لشركة آبل، ثم توسعت أعمالها مع تسيلا ومرسيدس وبي إم دبليو، لتشمل زجاج السيارات الذكية والشاشات المتطورة وصولا إلى مكونات الروبوتات.


ومنذ أحد عشر عامًا أرادت شركة لينس تكنولوجي أن تتحول إلى مناطق أكثر إبداعًا لإنتاج زجاج الياقوت الأزرق الاصطناعي، والزجاج ثلاثي الأبعاد وهو ما أدى إلى اعتراضات حاملي الأسهم، باعتبار ما تفكر فيه تشو مغامرة غير محسوبة، غير أنها لم تعبأ بذلك، وحققت قفزات هائلة، وأصبحت واحدة من الكبار على مستوى العام.

هل كانت تشو تتصور أن بداياتها من عدسة الساعة البسيطة إلى تكنولوجيا الياقوت الأزرق والزجاج ثلاثي الأبعاد أمر يمكن تحقيقه؟! هل كانت تعتقد تشو أنها من عاملة بسيطة في قرية ريفية صغيرة، ستجلس في يوم من الأيام على مائدة رئيس أكبر دولة في العالم، وتتوسط أهم منتجي التكنولوجيا في العالم؟ 

يقيني أن شخصية مثل تشو تشونفي كانت ومن قبل كل شيء تؤمن أن الإرادة الإنسانية أقوى من كل ظروف العالم.

الجريدة الرسمية