رئيس التحرير
عصام كامل

التخشيبة.. اقتراح للسيد وزير الداخلية

18 حجم الخط

أعادني المستشار أمير رمزي إلى ما قبل اثنين وثلاثين عاما، بعد أن طرح على صفحته الشخصية رسالة إنسانية مؤثرة حول الظروف القاسية التي تحيط بغرف الحجز بأقسام الشرطة، والتي تسمى بين العامة "التخشيبة"، حيث جاء طرحه في رسالة موجهة إلى الرئيس وإلى السيد اللواء محمود توفيق وزير الداخلية.


وأصل الحكاية أن مؤسسات حقوقية دولية أصدرت في العام 1994 تقارير مرعبة عن الظروف التي تحيط بمن تفرض عليه ظروفه القانونية أن يحجز في التخشيبة، وبالطبع ردت المؤسسات المصرية على التقارير الدولية واصفة حجز الأقسام بأنه خمس نجوم.
 

داخل صالة تحرير جريدة الأحرار طرحنا الملف للنقاش ومن أجل تقديم وجبة صحفية وافية حول الأمر للقراء، اقترحت حينها أن نقوم بعمل صحفي يقوم على التجربة الوجدانية أو ما كان يسمى بالمغامرة الصحفية، وأن يدخل إلى التخشيبة -أي تخشيبة- أحد زملائنا الصحفيين.


راقت الفكرة للجميع، غير أننا لم نجد صحفيا يقوم بالتنفيذ، وعلى الفور قررت القيام بها، ولم يكن صعبا أن تدخل تخشيبة، لو مضيت حول رصيف أي قسم شرطة ذهابا وإيابا سيشك فيك أمين شرطة ولن يتوانى في إصدار قراره بالقبض عليك، ومن ثم تصبح داخل التخشيبة.


كان المناخ في هذه الأيام ملبدا بالغيوم، وكانت الصحافة تقوم بأدوار عظيمة لكشف الحقيقة، توجهت بلا أوراق ثبوتية إلى رصيف قسم الأزبكية، وقمت بالمطلوب، ذهابا وإيابا، خرج أمين شرطة من القسم وسألني بعنف عن سبب ذهابي وإيابي، وأظنه كان محقا فلست في حديقة عامة أو نزهة على النيل.


بعد شد وجذب -كنت فيه جريئا- يغري الرجل على القيام بمهمته، وهو ما فعله أمين الشرطة، وبعد دقائق أصبحت داخل تخشيبة قسم الأزبكية، محررا لي محضر تحر، حيث لا أملك أوراقا ثبوتية تشير إلى شخصيتي، قضيت ليلة لا أنساها ما حييت.
 

اكتشفت أن التخشيبة عالم مواز، وأن داخلها قوانين وأعرافا وقواعد وتقاليد، وكل هذه الأعراف والقوانين والقواعد والتقاليد يتحكم فيها زعيم التخشيبة، وهو عادة رجل حبيس منذ شهور، وقد يكون منذ سنين، هذا الرجل هو الحاكم الآمر الناهي، هو باختصار القانون والتنفيذ.


كنا "كومة" من لحم تتراص فوق بعضها بعضا، نافذة ضيقة أعلى الغرفة هي معين الأكسجين إن أراد أن يدخل، حمم من النار تخرج من أجساد "المحابيس" وكنت واحدا منهم، غير أني أتصور أنه لا يمكن لميكروب أن يعيش في هذه الأجواء ليصيب من بالتخشيبة.


رائحة العرق تختلط برائحة الحمام الضيق، تكاد وحدها تتسبب في اختناق الجميع، يكون صراعك على مجرد أن تجد لأنفك مكانا تتنفس منه، لم تكن تلك الليلة من الليالي التي يمكن للمرء أن ينساها أو يخلي ذاكرته من تفاصيلها، جرت أحداث كثيرة لا يمكن اختزالها في مقال.


في الصباح عرضت على النيابة وصدر قرار بإلافراج عني بضمان بطاقتي، جاءنى في صباح هذا اليوم الصديق النبيل الكاتب الصحفي أسامة الكرم ليضمنني، وأخيرا خرجت إلى النور، كتبت القصة كما حدثت وتلقينا ردود فعل كثيرة واستجابات من وزارة الداخلية، واهتم الوزير اللواء حسن الألفي بالأمر، ووعد بالسعي إلى حلول عملية.
 

تذكرت أحداث الليلة المرعبة بعد أن قرأت ما كتبه المستشار أمير رمزي على صفحته مطالبا السيد اللواء محمود توفيق وزير الداخلية بدراسة الأمر، خصوصا وأن الوزارة عكفت في السنوات الماضية على إعادة هيكلة السجون وتطويرها، فأصبحت بحق دورا للإصلاح وتأهيل السجناء بدلا من فكرة العقاب الممتد دون جدوى.
 

وأستطيع القول إن المستشار أمير رمزي -وهو واحد من الشخصيات المصرية المساهمة في العمل الخيري والأهلي- يمكن أن يتقدم للسيد وزير الداخلية باقتراح مشاركة التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي في تطوير غرف الحجز بأقسام الشرطة باعتبارها عملا إنسانيا يليق بمصر وأهلها.

الجريدة الرسمية