عواد باع أرضه!
عملية التفريط فى الصروح الوطنية والأراضي المصرية التي تنفذها الحكومة حاليا دون الرجوع لمجلس النواب، ذكرتني بالأغنية الدارجة التي تحولت إلى أوبريت غنائي فى مثل هذه المواقف، وهى “عواد باع أرضه يا ولاد” والتي تستخدم للمعايرة وتتردد على ألسنة الجميع فى مواقف محددة ترتبط بقيام أحد الأفراد بالتفريط فى أشياء ثمينة، وأعتقد أنه لا يوجد أثمن من الشركات العامة التى من المفترض أن يعول عليها الاقتصاد الوطني.
وفي حقيقة الأمر أن عواد هذا يعد بطلا شعبيا لم ينل حظه فى سجلات تاريخ عظماء الوطن، فهذا الرجل ويدعى “عنانى أحمد عواد” فلاح بسيط يملك أرضا فى قرية كفر نجم بمحافظة الشرقية، وقام أحد الأمراء ويدعى البرنس محمد على عام 1946 بتكليف مفتش الدائرة بإجبار عدد من الفلاحين بالتنازل عن أرضهم، غير أن عواد وقف كالمارد أمام هؤلاء الطغاة، ورفض التفريط فى أرضه التى ورثها عن جدوده، رغم تعرضه لكل أنواع البطش والتعذيب على أيدى زبانية الحكم الملكي البائد..
والذين قاموا بتلفيق الاتهامات الباطلة له وسجنوه واستولوا على أرضه، وبعد خروجه من السجن استمر فى النضال مطالبا باسترداد أرضه، ولم يجد أصحاب النفوذ والسلطة سوى اغتياله حتى يكون عبرة لباقى الفلاحين، بل وقاموا بتكليف بعض رجالهم بترديد أغنية “عواد باع أرضه” فى مختلف أنحاء القرية لتشويه صورة ذلك البطل!
وللأسف نجد حكومة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء تسعى بكل نفوذها لممارسة نفس دور البرنس، بل ويسيل لعابها من أجل بيع الأراضي والشركات، وتسمح للأجانب بتملكها بدلا من الحفاظ عليها، وتتركها صروحا عملاقة تحقق التنمية المنشودة.
مؤخرا قامت الحكومة بالقيد المؤقت بالبورصة لمدة ستة أشهر لستة شركات كبرى، هى.. مصر للتعدين، والإسكندرية للحراريات، النصر للزجاج والبلور، والمصرية للسبائك الحديدية، وهي 4 شركات تابعة للشركة القابضة للصناعات المعدنية، فضلا عن الشركة المصرية للمواسير وصناعة المنتجات الأسمنتية (سيجوارت)، النهضة للصناعات وهما شركتان تتبعان القابضة الكيماوية..
وذلك تمهيدا لطرح حصص من أسهم هذه الشركات بالبورصة بعد ستة شهور، وهو الأمر الذى سوف يمهد لطرح باقى الأسهم بشكل تدريجي كما حدث فى العديد من الشركات الأخرى، خاصة شركات الأدوية والأسمدة وشركة الشرقية للدخان.
كما قامت الحكومة بتنفيذ نفس السيناريو يوم الأحد الماضي وقامت أيضا بالقيد المؤقت لأسهم شركتي إيجوث ومصر للسياحة التابعتين للشركة القابضة للسياحة والفنادق، وخرج علينا مسئولي القابضة بتصريحات غرضها تضليل الرأي العام حيث زعموا أن قيد هذه الشركات بالبورصة يعكس الالتزام بتنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، ولم يعلنوا أن هذا البرنامج تقوم الحكومة بتنفيذه بأوامر من قبل صندوق النقد الدولي!
وأكد مسئولو القابضة للسياحة أن هذا الطرح يؤدى إلى تعظيم كفاءة إدارة وإستثمار الأصول المملوكة للدولة، علما بأن هذا الأمر لا يعد إستثمار مطلقا بل هو تفريط صريح فى مقدرات الوطن. وقالوا أن ذلك يسهم فى تحقيق أقصى قيمة إقتصادية ممكنة ويدعم توجهات الدولة نحو توسيع مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، إلى جانب تعزيز مستويات الحوكمة والشفافية ورفع كفاءة الأداء..
علما بأنه فى حالة طرح أسهم هذه الشركات بالبورصة فإن أرباحها سوف يجنيها مالكى هذه الأسهم وليس الحكومة، وقالوا أيضا أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة فى مسار التطوير المالى والتشغيلي للشركات خاصة فى ظل ما تملكه شركتا إيجوث ومصر للسياحة من تاريخ عريق لأصول متميزة وخبرات ممتدة فى قطاع السياحة والفنادق، بما يعزز من قدراتهما على تحقيق معدلات نمو مستدامة وزيادة قدرتهما التنافسية محليا وإقليميا، متجاهلين أن هذا التاريخ يتم طمس معالمه على أيدى أباطرة الفشل والفساد.
ألا تدرك حكومة الدكتور مدبولي أن التفريط فى هذه الصروح الوطنية يمس الأمن القومي ويؤدى إلى وجود ممارسات احتكارية ترتفع معها الأسعار في الوقت الذى تغرق فيه البلاد في دوامة الغلاء، فضلا عن أن هذا الأمر يؤدى إلى زيادة معدلات البطالة ويتسبب في خسارة الإيرادات السيادية فضلا عن غياب التنمية المستدامة.
المخاطر التى يتعرض لها الاقتصاد المصري لا تعد ولا تحصى في ظل التفريط في الصروح الصناعية الواحد تلو الآخر، ويؤكد غموض الرؤية الإقتصادية المستقبلية، خاصة وأن هذه الشركات تعد الركيزة الرئيسية التي من خلالها تتحقق النهضة والتنمية الحقيقية.
