رئيس التحرير
عصام كامل

التوازن المطلوب للأولويات!

18 حجم الخط

في مواجهة رقمٍ يلامس 27 مليار دولار -نحو 1.4 تريليون جنيه- جرى الحديث عن توجيهها لإقامة مدينة جديدة تضم وحدات تلامس أسعارها ملايين الجنيهات.. لا يكون السؤال ترفًا فكريًا، بل ضرورة عقلانية: كيف نُحسن توجيه هذا الثقل المالي بحيث يتحول إلى أثرٍ ممتد لا إلى مشهدٍ لامع؟

ليست القضية رفضًا لفكرة المدن الجديدة أو البنية الأساسية؛ فالتاريخ الاقتصادي يؤكد أن الطرق والمرافق شرطٌ للنمو. لكن الشرط لا يغني عن الجوهر: أن تُسخَّر هذه البنية لخدمة اقتصادٍ منتج، لا أن تصبح بديلًا عنه.

هنا تبرز جدلية الأولويات. فلو أُعيد توزيع جزءٍ يسير من هذه الموارد، يمكن أن تتشكل دوائر إنتاجية واسعة تبدأ من الريف ولا تنتهي عند المصنع. تمويلٌ ميسر لمائة ألف مزارع من صغار الحائزين -ثلاثة أفدنة أو أقل، أو أراضٍ مستصلحة في حدود عشرة إلى عشرين فدانًا- ليس مجرد دعم اجتماعي، بل استثمار مباشر في الأمن الغذائي. 

دورة زراعية ذكية تجمع بين محاصيل صيفية ثم القمح في الشتاء يمكن أن تضيف ملايين الأطنان للسوق المحلي، فتخفف ضغط الاستيراد، وتعيد التوازن لميزان المدفوعات، وتضخ حياةً في اقتصادٍ ريفي طال تهميشه.

وبالموازاة، يصبح الإحلال محل الواردات سياسةً لا شعارًا: توطين صناعات بعينها -كالدواء، ومكونات السيارات، والبطاريات- يعني تقليل نزيف العملة الصعبة، وبناء سلاسل قيمة محلية، وخلق فرص عمل نوعية. دعم الورش والمصانع الصغيرة بقروضٍ ميسرة للمواد الخام والمعدات، بضمانات مرتبطة بالأصول والإنتاج، يحول هذه الوحدات من اقتصادٍ هامشي إلى شريكٍ في منظومة صناعية أوسع.

أما السكن، فيمكن التعامل معه بعقلية إدارة أصول لا فقط إنشاء أصول. شراء الدولة للوحدات المغلقة بأسعارٍ تعكس واقع السوق، ثم إتاحتها للشباب عبر قروض طويلة الأجل بفوائد منخفضة، يحقق هدفين معًا: تنشيط سوق راكد، وتلبية حاجة اجتماعية مُلحة دون توسيع فجوة المعروض غير المأهول.

غير أن السؤال الأكثر حساسية يظل: أين يقف البحث العلمي من هذه الخريطة؟ كم رسالة دكتوراه تحمل قابلية التحول إلى منتج؟ كم براءة اختراع وجدت طريقها إلى خط إنتاج؟ وكم مشروعًا ابتكاريًا تبناه رجال الأعمال ليصبح دواءً يقلل فاتورة الاستيراد، أو تقنية زراعية ترفع الإنتاجية، أو منتجًا صناعيًا يعزز الاستقلال الاقتصادي؟ 

الفجوة هنا ليست في ندرة العقول، بل في غياب الجسر بين الجامعة والسوق، بين الفكرة والتمويل، بين المخاطرة والحافز.

وعند هذا المفصل، تتقدم مسألة الحوكمة: هل تُصاغ هذه القرارات الكبرى عبر حوارٍ مجتمعي يضم خبراء الاقتصاد والزراعة والصناعة والتعليم؟ هل تُقاس جدواها بمعايير تتجاوز سرعة التنفيذ إلى عمق الأثر - عدد الوظائف المستدامة، القيمة المضافة الحقيقية، خفض فاتورة الاستيراد، ونمو الصادرات؟ 

الاقتصاد الرشيد لا يكتفي بأن يبني بسرعة، بل يحرص أن يُنتج بذكاء.

الخلاصة ليست في نفي دور المدن الجديدة، ولا في إعلاء بديلٍ واحد على حساب آخر، بل في إعادة ضبط الميزان: كل استثمار في طريقٍ أو برج، يقابله استثمار في حقلٍ أو معملٍ أو مصنع. أن تتحول البنية الأساسية إلى منصةٍ للإنتاج والمعرفة، لا إلى غايةٍ قائمة بذاتها. عندها فقط يصبح الإنفاق الكبير قوةً دافعةً لا عبئًا مؤجلًا، وتغدو المدن الجديدة امتدادًا لاقتصادٍ حيّ، لا جزيرةً معزولة في بحرٍ من الاحتياجات.

الجريدة الرسمية
عاجل