رئيس التحرير
عصام كامل

بين صدقي ومدبولي والمواطن!

18 حجم الخط

في لحظةٍ تبدو فيها الأرقام أكبر من قدرة الواقع على الاحتمال، يعود الذهن تلقائيًا إلى زمنٍ كانت فيه الأرقام تُقاس بما تُنتجه لا بما تُنفقه. بين تجربة عزيز صدقي رئيس وزراء مصر الأسبق وتجربة مصطفى مدبولي رئيس وزرائها الحالي لا نقف فقط أمام اختلاف رجلين، بل أمام تحوّل عميق في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري، تحوّلٍ ينقلنا من فكرة الدولة التي تبني لتُنتج، إلى دولةٍ تبني لتُسوِّق، أو هكذا يبدو المشهد في ظاهره.


عندما كان عزيز صدقي يعمل في ظل مشروع الدولة الذي قاده جمال عبد الناصر، لم تكن الصناعة مجرد قطاع اقتصادي ضمن قطاعات متعددة، بل كانت العمود الفقري لفكرة الاستقلال الوطني ذاتها.

 

كان بناء المصنع يعادل بناء مؤسسة سيادية، وكانت “مدخنة” ترتفع في سماء مدينة صناعية تعني ببساطة أن مصر تُضيف إلى العالم شيئًا من صنع يدها، لا من إعادة بيع ما يملكه الآخرون. في تلك المرحلة، وُلدت قلاع صناعية كبرى، وتكوّنت طبقة عاملة، وتشكلت خبرات فنية وهندسية، حتى وإن شابت التجربة لاحقًا أوجه قصور في الإدارة والكفاءة. 

لكن جوهرها ظل قائمًا على فكرة أن القيمة الحقيقية تُخلق داخل خطوط الإنتاج، وأن السيادة الاقتصادية تبدأ من القدرة على التصنيع.


في المقابل، يتحرك مصطفى مدبولي في زمن مختلف تمامًا، زمنٍ تتشابك فيه الأسواق وتتقلص فيه الحدود أمام حركة رأس المال، وتضغط فيه التحديات التمويلية بقوة على صانع القرار. لم يعد ممكنًا ببساطة استنساخ نموذج الستينيات، ولا تجاهل احتياجات البنية التحتية التي تراكمت لعقود.

 

لذلك اتجهت الدولة إلى بناء طرق ومدن جديدة ومشروعات عمرانية ضخمة، محاولةً خلق بيئة جاذبة للاستثمار، ومُعوِّلة على قطاع العقارات بوصفه أحد أسرع القطاعات قدرةً على تحريك الاقتصاد وتوليد السيولة. 

 

وقد حقق هذا التوجه بالفعل نتائج ملموسة على مستوى الشكل العمراني وشبكات الطرق والخدمات، وخلق فرص عمل واسعة في قطاع التشييد، وأعاد رسم خريطة جغرافية جديدة للعمران في مصر.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء، بعيدًا عن الحماسة أو الرفض المطلق، هو: هل يكفي العمران وحده ليكون محركًا مستدامًا للنمو؟ وهل يمكن للاقتصاد أن يعتمد طويلًا على تسعير الأصول دون تعميق إنتاجي حقيقي؟ 

 

هنا يظهر الفارق الجوهري بين التجربتين؛ فاقتصاد عزيز صدقي كان يسعى إلى إنتاج سلع تُصدَّر وتدر عملة صعبة بشكل مستمر، بينما يميل الاقتصاد في صورته الحالية إلى تحقيق مكاسب كبيرة من تطوير الأصول، لكنها في كثير من الأحيان مكاسب غير متكررة أو مرتبطة بقدرة السوق المحلية على الشراء. 

 

ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، من ديون مرتفعة إلى معدلات تضخم أثقلت كاهل المواطن، يصبح التساؤل أكثر إلحاحًا: هل يدفع المجتمع اليوم تكلفة مسارٍ لم تكتمل ثماره بعد، أم أن هذا المسار ذاته يحتاج إلى إعادة ضبط؟


لا يعني ذلك إنكار ما تحقق، ولا القفز إلى أحكام قاطعة، فكل مرحلة لها سياقها وأدواتها وحدودها، لكن المقارنة تظل مفيدة لأنها تكشف ما ينقص الصورة الحالية أكثر مما تدينها. 

فالدولة التي نجحت في تشييد بنية تحتية ضخمة تمتلك الآن فرصة حقيقية لتحويل هذا الإنجاز إلى قاعدة انطلاق نحو إنتاج صناعي وتكنولوجي، لا أن تظل تلك البنية هدفًا في حد ذاتها. 

 

والسؤال الأهم الذي ينبغي أن يظل حاضرًا هو: أين موقع المصنع في الخريطة الجديدة؟ وأين موقع العامل والمهندس والتقني من هذا المشهد اللامع؟ وهل يمكن أن تتحول المدن الجديدة من تجمعات سكنية راقية إلى مراكز إنتاج حقيقية تضيف إلى الناتج القومي أكثر مما تستهلك؟

 

إن الحنين إلى تجربة عزيز صدقي لا ينبغي أن يكون حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، كما أن الدفاع عن السياسات الحالية لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للتحديات. المسألة في جوهرها هي البحث عن توازن مفقود، توازن يجعل من العمران وسيلة لا غاية، ومن الاستثمار العقاري داعمًا للإنتاج لا بديلًا عنه. فالدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من أبراج، بل بما تنتجه من قيمة، ولا بما تنفقه من مليارات، بل بما تحققه من عائد مستدام يشعر به المواطن في حياته اليومية.

وبينما تمضي مصر في طريقها، يبقى السؤال مفتوحًا دون إجابة حاسمة: هل نحن في مرحلة انتقالية ستقود في نهايتها إلى اقتصاد أكثر توازنًا وصلابة، أم أننا نؤجل مواجهة سؤال الإنتاج الحقيقي؟ الإجابة لن تأتي من الخطابات ولا من الأرقام المجردة، بل من الواقع نفسه حين ينجح في تحويل الطموح العمراني إلى قوة إنتاجية، وحين يشعر المواطن أن ما يتحمله اليوم من أعباء قد تحول فعلًا إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.

الجريدة الرسمية
عاجل