الدرس الإيراني.. يا عرب!
الحديث عن الاعتماد على النفس في ظل ما يجري في الإقليم ليس ترفًا فكريًا، بل هو استدعاء مباشر لسؤال البقاء.. فالمشهد الذي يتشكل منذ سنوات، وتتصاعد ملامحه مع كل جولة توتر بين إيران والولايات المتحدة، أو مع إسرائيل، يكشف أن موازين القوة لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانة، بل بمدى القدرة على الصمود المستقل حين تُغلق الأبواب.
إيران -بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها- قدمت نموذجًا صلبًا في هذا السياق؛ دولة واجهت حصارًا ممتدًا، فاضطرت إلى أن تُعيد تعريف أولوياتها: من الاكتفاء النسبي في بعض القطاعات، إلى تطوير صناعات عسكرية محلية، إلى بناء شبكة نفوذ إقليمي تحمي عمقها الاستراتيجي.
لم يكن ذلك خيار رفاهية، بل استجابة قسرية لواقع مفروض. وهنا تكمن المفارقة: الضغوط التي كان يُراد بها إضعافها، تحولت إلى دافع لإعادة بناء الذات.
في المقابل، يكشف الواقع العربي عن معادلة أكثر هشاشة. الاعتماد الممتد -في الطاقة، والغذاء، والسلاح، وحتى المعرفة- جعل القرار الاستراتيجي في كثير من الأحيان رهينًا لعوامل خارجية. ليست المشكلة في التكامل مع العالم، فذلك أمر طبيعي، بل في الاعتماد غير المتوازن الذي يجعل أي اضطراب خارجي يتحول إلى تهديد داخلي مباشر.
إن الدرس الإيراني هنا لا يُقرأ باعتباره دعوة للاستنساخ، بل للاستيعاب. فلكل دولة سياقها، لكن القاعدة واحدة: لا سيادة حقيقية دون قدرة ذاتية، ولا أمن مستدام دون استقلال نسبي في مفاصل القوة الأساسية.
أول هذه المفاصل هو العلم. لا يمكن الحديث عن استقلال دون منظومة تعليمية تُنتج المعرفة لا تستهلكها فقط. الربط بين التعليم واحتياجات الدولة -مدنيًا وعسكريًا- لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية. الجامعات التي تُخرّج أعدادًا بلا مهارات نوعية، هي عبء على الدولة لا رافعة لها. أما مراكز البحث، فهي إن لم تكن في قلب القرار السياسي، فلن تتجاوز كونها واجهة شكلية.
ثانيها هو الاقتصاد الإنتاجي. الدول التي لا تُنتج ما يكفيها من غذاء أو طاقة أو دواء، تبقى دائمًا في منطقة الخطر. الاعتماد على الخارج في هذه القطاعات يشبه السير على حافة الهاوية؛ خطوة واحدة في الاتجاه الخاطئ قد تُسقط كل شيء. المطلوب ليس الاكتفاء الكامل -وهو شبه مستحيل- بل بناء حد أدنى من الاكتفاء يحمي القرار الوطني.
ثالثها هو التصنيع، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة. العالم اليوم لا يُدار بالنفط فقط، بل بالعقول التي تُصمم الشرائح الإلكترونية، وتُبرمج الأنظمة، وتُدير الفضاء السيبراني. من لا يملك هذه الأدوات، سيظل تابعًا لمن يملكها، مهما امتلك من موارد.
أما على المستوى الثقافي، فالمعركة لا تقل خطورة. الوعي الجمعي إذا ظل أسيرًا للاستهلاك والتفاهة، فلن يكون قادرًا على دعم أي مشروع نهضوي. الأمم لا تُبنى فقط بالمصانع، بل بالعقول التي تؤمن بقيمة العمل، وبأن المستقبل يُصنع لا يُستورد.
ومع ذلك، يجب الحذر من تبسيط المشهد أو تحويله إلى خطاب عاطفي. الاعتماد على النفس ليس شعارًا يُرفع، بل مسار طويل مليء بالتكلفة والتضحيات. إيران نفسها دفعت أثمانًا اقتصادية واجتماعية باهظة. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: هل نحن مستعدون لتحمل تكلفة الاستقلال؟ أم نريد نتائجه دون دفع ثمنه؟
البديل عن هذا المسار ليس الاستقرار، بل مزيد من الهشاشة. عالم اليوم لا يرحم الدول الضعيفة، ولا ينتظر المترددين. ومن لا يملك قراره، لن يملك مستقبله.
في النهاية، الدرس ليس في أن نكون مثل إيران، بل في أن نفهم لماذا صمدت، ولماذا تعثر غيرها. بين أمة تُجبرها الضغوط على أن تبني نفسها، وأمة تؤجل البناء رغم وضوح الخطر، تتحدد ملامح الغد. والسؤال الذي سيظل معلقًا: هل نتعلم قبل أن تُفرض علينا الدروس بالقوة.. أم بعد فوات الأوان؟
