رئيس التحرير
عصام كامل

التراجع الترامبي وسر الصمود!

18 حجم الخط

يبدو تصريح كريس ميرفي عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن بنود صادمة في اتفاق دونالد ترامب مع إيران كأنه نافذة صغيرة على ما جرى خلف ستار الضجيج، تراجع لا يُعلن باسمه، بل يُغلَّف بلغة التفاهم، ومناورة تُقدَّم في هيئة هدنة. 

فالتاريخ القريب يخبرنا أن واشنطن لا تتراجع إلا حين تصطدم بحائط صلب، وحين تتحول كلفة الاستمرار إلى عبء سياسي وعسكري يفوق مكاسب الهيمنة.

لم يكن المشهد مجرد تبادل ضربات تقليدي، بل اختبار إرادات. إيران، المحاصَرة منذ عقود، لم تدخل المواجهة باعتبارها معركة حدود، بل باعتبارها معركة وجود، وهو توصيف يفسر سر الصمود أكثر مما تفسره حسابات السلاح. 

حين تخرج الحشود لتصنع سلاسل بشرية حول منشآت الطاقة، فإنها لا تحمي حجرًا أو أنبوبًا، بل تحمي فكرة الاستقلال ذاتها. هذا النوع من التماسك الشعبي يربك أعتى الجيوش، لأنه ينقل الصراع من ساحة عسكرية إلى عمق اجتماعي يصعب كسره بالقصف.

في المقابل، وجد دونالد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة، قواعد أمريكية تتعرض لضربات موجعة، وحليف إسرائيلي يئن تحت ضغط غير مسبوق، وداخل أمريكي لا يحتمل حربًا مفتوحة جديدة في الشرق الأوسط. هنا يصبح التراجع تكتيكًا مشروعًا، بل ضرورة، لكنه يُصاغ بعناية حتى لا يبدو هزيمة. من هنا يمكن قراءة الهدنة كإعادة تموضع، لا كخاتمة للصراع.

غير أن الدرس الأهم لا يكمن في واشنطن ولا طهران، بل في العواصم العربية التي علّقت أمنها على شماعة الحماية الأمريكية. فهل حمت القواعد العسكرية أصحابها؟ الواقع يجيب بمرارة: حين تتسع دائرة النار، تصبح هذه القواعد نفسها أهدافًا، ويتحول الوجود الأجنبي من مظلة أمان إلى مغناطيس للخطر. الحماية المشروطة لا تمنح سيادة، بل تؤجل لحظة المواجهة، وتضاعف كلفتها حين تأتي.

الأكثر إثارة للتساؤل أن بعض هذه الدول لم يكتفِ بالاحتماء، بل اندفع لاستعداء إيران، واستدعاء الولايات المتحدة ومجلس الأمن إلى ساحة صراع إقليمي كان يمكن احتواؤه. يُستشهد هنا بما طُرح عن توجهات من البحرين لطلب ترتيبات حماية دولية لمضيق هرمز، وهو الطرح الذي اصطدم -وفق ما تداولته تقارير- برفض دولي حاد واستخدمت فيه الصين وروسيا أدواتهما داخل مجلس الأمن الدولي لمنع تدويل ممر حيوي بهذه الحساسية. 

سواء اختلفت الروايات في تفاصيل هذا المثال أو اتفقت، فإن دلالته السياسية واضحة: تدويل الأزمات الإقليمية لا يحلها، بل يعقّدها، ويحوّلها إلى أوراق في صراع القوى الكبرى.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: إلى أين يتجه العالم؟ هل نحن أمام هدنة تكتيكية تسبق جولة أعنف، أم مناورة لالتقاط الأنفاس، أم تراجع حقيقي يعيد رسم قواعد الاشتباك؟ الإجابة ليست أحادية. فواشنطن قد ترى في التهدئة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وإسرائيل قد تحتاج إلى وقت لترميم جبهتها الداخلية، بينما تنظر إيران إلى ما تحقق باعتباره إثباتًا لجدوى الصمود.

لكن الثابت وسط كل هذا الضباب أن موازين القوة لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل بإرادة الشعوب وقدرتها على الاحتمال. وأن من يراهن على الخارج لحمايته، قد يجد نفسه أول ضحايا هذا الخارج حين تتغير الحسابات. وأن استعداء الجوار، بدل بناء توازنات إقليمية معه، هو أقصر الطرق لاستدعاء العواصف.

هكذا تبدو الصدمة التي تحدث عنها كريس ميرفي، ليست في بنود اتفاق بقدر ما هي في انكشاف حقيقة قديمة تتجدد دائمًا -أن القوة ليست في من يملك السلاح فقط، بل في من يملك قرار استخدامه، والأهم من ذلك، من يملك إرادة الصمود حين يُستخدم ضده.

الجريدة الرسمية