رئيس التحرير
عصام كامل

تل أبيب.. سردية الرمال الفارغة

18 حجم الخط

في كل مرة يحتفى فيها بمرور ذكرى تأسيس تل أبيب، تعاد الرواية  الصهيونية ذاتها: مدينة حديثة خرجت من رمال خاوية، أقامها مهاجرون بجهدهم على أرض لم يكن لها صاحب، لكن حين يترك الخطاب الصهيوني الدعائي جانبا وتقرأ الوقائع ببرود الأرقام والخرائط، يتضح أن الصورة أكثر تعقيدا بكثير، وأن ما يقدم بوصفه معجزة عمرانية ارتبط في الحقيقة بتحولات قسرية في المكان والسكان والملكية..

 

النقطة التي يبنى عليها الجدل دائما هي القول: لم تكن هناك قرية أو مدينة فلسطينية باسم تل الربيع، وهذه حقيقة لغوية، لكنها تستخدم كأداة تضليل إذ يختزل النقاش كله في الاسم، بينما يستبعد السؤال الأهم: ماذا كان موجودا على الأرض فعلا قبل قيام المدينة الحديثة؟ هنا تظهر المغالطة بوضوح: نفي اسم لا يساوي نفي مجتمع.. لا يساوي نفي شعب.. لا يساوي نفي وطن.. لا يساوي محاولة مسح هوية فلسطين الباقية رغم أنف الصهيونية.

 

بحسب السجلات التاريخية، أسس حيأحوزات بايت سنة 1909 على أطراف يافا، وكان عدد العائلات المؤسسة يقارب ستين عائلة، لم تكن البداية على أرض بلا أهل، بل بجوار مدينة يافا التي كانت آنذاك مركزا حضريا وتجاريا وثقافيا كبيرا على ساحل المتوسط، قبل نكبة 1948، كان عدد سكان يافا يقدر بعشرات الآلاف، وكانت المدينة مركزا لتصدير الحمضيات، وبها مطابع وصحف ودور سينما ونواد ثقافية ومدارس، الحديث عن فراغ كامل يتجاهل هذا الواقع.. وهي عادة صهيونية لا يملوا منها أبدا.. ولا عجب في ذلك فلصوص الجغرافيا هم أيضا لصوص التاريخ.

 

ثم جاءت سنوات التوحش الصهيوني والتخاذل الدولي بل والتواطؤ الدولي والتحولات الديموجرافية الكبرى، بعد حرب 1948، تغيرت خريطة السكان والأرض جذريا: قدر عدد الفلسطينيين الذين غادروا أو بالأحرى هجروا من يافا وما حولها بعشرات الآلاف، وتحولت أحياء وقرى إلى مناطق جديدة داخل المدينة الحديثة. 

قرى مثل الشيخ مونس، وصميل، وسلمة، وجماسين، إضافة إلى أحياء مثل المنشية، لم تعد قائمة كما كانت، بينما بنيت على مساحاتها أحياء جامعية وسكنية وتجارية وحدائق عامة، هذا ليس جدلا في الأسماء، بل تحول في الملكية والوجود السكاني.

 

تقديرات مساحة الأرض التي نشأت عليها تل أبيب في بداياتها كانت محدودة للغاية مقارنة بمساحة المدينة اليوم. التوسع الحضري لم يحدث في فراغ، بل امتد تدريجيا ليشمل أراضي القرى المحيطة. حين يقال إن المدينة قامت على الرمال، فهذا كذب مخل فالرمال كانت جزءا من المشهد، لكنها لم تكن كل المشهد، ولم تكن خالية من الامتدادات الزراعية أو العمرانية أو الحقوق التاريخية.

إن بناء سردية كاملة على أساس نفي اسم تل الربيع يضلل أكثر مما يوضح فالمسألة ليست ما إذا كان الاسم موجودا أم لا، بل ماذا حدث للأرض وللناس الذين عاشوا عليها.. التاريخ لا يختزل في لافتة اسم، ولا تمحى الوقائع لأن اسما لم يكن مدونا على خريطة قديمة. 

وإذا كان الاحتفاء بإنجاز عمراني على أرض مسروقة بناها قطيع يتبع عصابة أمر مشروع في أدبيات اللصوص.. فإن من حق الذاكرة أيضا أن تروى كاملة لا مبتورة ولا منتقاة.          غيروا الأسماء كما شئتم.. لكن الحقيقة باقية.. والحقيقة عنوانها فلسطين وإن طال الانتظار.

الجريدة الرسمية