رئيس التحرير
عصام كامل

ترامب.. مبيعرفش يوجفها

18 حجم الخط

لا يبدو أن إشعال الحروب يحتاج إلى عبقرية بقدر ما يحتاج إلى جرأة متهورة.. أو ربما إلى زر أحمر يضغط دون قراءة التعليمات، هكذا تبدو الحكاية مع دونالد ترامب، الذي قرر أن يفتح باب النار على إيران، ثم وقف -كمن فوجئ بالدخان يتصاعد من كل اتجاه- يتساءل.. من أشعل كل هذا؟

 

المفارقة أن الحروب، على عكس تغريدات المنصات، لا يمكن حذفها بعد النشر، حيث لا زر تراجع، ولا خاصية تعديل، ما إن تبدأ، حتى تتحول إلى كائن مستقل، ينمو ويتغذى على الأخطاء، ويبتلع كل محاولة للسيطرة عليه.

 

ما نشهده الآن أقرب إلى طفل حصل على لعبة معقدة، ضغط كل أزرارها دفعة واحدة، ثم اكتشف أن الأصوات التي تخرج منها ليست موسيقى.. بل إنذارات، طفل لم يقرأ الكتالوج، ولم يسأل أحدا كيف تعمل، لكنه كان واثقا -بثقة مدهشة- أنه قادر على التحكم في كل شيء. إلى أن فقد السيطرة على كل شيء.

 

التصعيد مع إيران بدا كأنه فصل أول في رواية لم تكتب نهايتها بعد. ضربات تقابل بردود، وردود تستدعي ردودا مضادة، وسلسلة لا نهائية من الفعل ورد الفعل التي تتحول تدريجيا إلى كرة ثلج، تكبر كلما حاول أحد إيقافها.

 

المشكلة هنا ليست في إشعال الحرب فقط.. في ماذ إذا؟ في غياب أي تصور حقيقي لنهايتها. كيف تغلق بابا لم تفكر أصلا كيف سيفتح؟ وكيف تطفئ نارا أشعلتها في غرفة مليئة بالوقود؟

 

وهنا لا يسع الذاكرة الشعبية إلا أن تستدعي مشهدا من فيلم  بطل من ورق، حين قال رمي قشوع جملته الشهيرة عن سمير أبوالحسن كاتب الآلة الكاتبة الذي تورط في تنفيذ سيناريو أكبر منه: مبيعرفش يوجفها. الجملة لم تكن مجرد سخرية، بل كانت توصيفا دقيقا للحظة يفقد فيها الإنسان السيطرة على ما صنعه بيديه.

 

في الفيلم صنع البطل قنبلة لأنه كتب له أن يصنعها.. لكنه لم يكتب له كيف يبطلها. وفي الواقع، يبدو أن السيناريو يعاد، لكن على نطاق أوسع وأخطر وأكثر تكلفة والفارق الوحيد أن القنبلة هذه المرة ليست ورقية ولا رمزية إنما حقيقية تمتد شظاياها عبر خرائط وجغرافيا ومصائر شعوب.

 

المثير للسخرية حد المرارة أن من يشعلون الحروب يتحدثون دوما عن السيطرة، بينما الحقيقة أن أول ما تفلت من أيديهم هو السيطرة ذاتها. يتحولون من لاعبين إلى متفرجين، ومن صناع قرار إلى أسرى لقراراتهم السابقة.

وهكذا، يقف العالم أمام مشهد مألوف ومخيف في آن واحد.. لعبة بدأت بلا قواعد واضحة، وتستمر بلا نهاية منظورة، ولا أحد بمن فيهم من ضغط زر البداية يعرف كيف تغلق. أو ببساطة.. مبيعرفش يوجفها.

الجريدة الرسمية