رئيس التحرير
عصام كامل

باسم يوسف والصهيونية المسيحية

18 حجم الخط

قرأت بوست باسم يوسف بالأمس أكثر من مرة، لا بحثا عن جملة مثيرة، ولا توقفا عند نبرة انفعالية، بل محاولة لفهم السياق الكامل لما قيل، ولماذا أسيء فهمه – أو أريد له أن يساء فهمه، وما خرجت به، بعد هذا التمعن، أن ما جرى ليس خلافا حول معلومة، بقدر ما هو صراع على تعريف الأشياء، وعلى من يملك حق التسمية، ومن يجبر دائما على الدفاع عن بديهيات لم يكن ينبغي أصلا أن تكون محل نزاع.

 

باسم يوسف لم يكتب منشوره من موقع الهجوم على دين، ولا من رغبة في إثارة فتنة، بل من موقع التحذير من تيار سياسي عقائدي محدد، اسمه الصهيونية المسيحية، المشكلة أن هذا الاسم، حين يذكر في فضائنا العربي، يقابل إما بتعميم كسول، أو بتشكيك متعمد، أو بتخويف أخلاقي جاهز: انتبه، الناس لا تفرق..  وهنا تحديدا تكمن المعضلة.

 

الهجوم الذي تعرض له باسم كان على مستويين مختلفين تماما، المستوى الأول هجوم مسيس، بنية سيئة، هدفه خلط الأوراق.. تحويل نقد تيار أيديولوجي إلى اعتداء على المسيحية كدين، أو على المسيحيين كجماعة بشرية، هذا النمط من الهجوم معروف، ويستخدم آلية واحدة.. اقتطاع الكلام من سياقه، ثم إعادة ضخه في فضاء مشحون أصلا، بحيث يصبح المتحدث متهما حتى يثبت العكس. هنا لا نكون أمام سوء فهم، بل أمام سوء نية.

 

أما المستوى الثاني، وهو الأهم والأخطر اجتماعيا، فكان اعتراضا نابعا من خوف حقيقي.. الخوف من أن يتحول هذا النقاش، في مجتمعات تعاني أصلا من هشاشة في إدارة التعدد، إلى وقود جديد للاحتقان الطائفي، هذا الاعتراض لا يمكن الاستهانة به أو السخرية منه، لأنه يعكس جرحا ما، لكن المشكلة أن هذا الخوف، حين يتحول إلى فيتو دائم على أي نقاش فكري، يصبح شريكا غير مقصود في حماية الخطاب المتطرف نفسه.

 

ما يلفت النظر في بوست باسم، أنه كان شديد الوضوح في التحديد.. الحديث عن فئة معينة من الإنجيليين في الولايات المتحدة، وعن نوع معين من الكنائس التي تمارس دورا سياسيا مباشرا، وتتبنى خطابا صداميا يرى في الحروب ضرورة دينية، هذا التحديد لم يكن هامشيا، بل تكرر أكثر من مرة.. ومع ذلك جرى تجاهله عمدا أو قسرا، وكأن هناك إصرارا على سماع ما لم يقل.

 

الأخطر من ذلك، أن الوقائع نفسها باتت تفرض هذا النقاش فرضا، حين يخرج رموز هذا التيار ويتحدثون علنا عن رؤيتهم للعالم، وعن قناعاتهم الجغرافية والعقائدية، فنحن لا نكون أمام تأويل عربي أو مبالغة إعلامية، بل أمام خطاب معلن، لا يشعر أصحابه بالحاجة إلى التخفي. هنا تحديدا تصبح محاولة إسكات النقاش بحجة الخوف من الفتنة نوعا من الهروب من الواقع.

 

من زاويتي أرى أن قيمة بوست باسم يوسف لا تكمن فقط في محتواه، بل في كونه كاشفا، لقد كشف هشاشة قدرتنا على الفصل بين الدين كإيمان، والدين حين يتحول إلى أداة هيمنة سياسية، وكشف أيضا أن كثيرا من معاركنا الثقافية لا تخاض حول الحقائق، بل حول الانطباعات والخشية من ردود الفعل.

 

الأهم في تقديري هو الإشارة التي وردت في البوست عن موقف مسيحيين كثر، رفضوا هذا التيار، ودافعوا عن التمييز بين عقيدتهم وبين الصهيونية المسيحية، هذه النقطة جوهرية، لأنها تنسف من الأساس منطق نحن وهم، وتعيد تعريف الصراع بوصفه صراعا بين إنسان يرى الدين قيمة أخلاقية، وآخر يراه أداة تعبئة وحرق.

 

الخلاصة التي أصل إليها، أن ما كتبه باسم يوسف ليس دعوة للفتنة، بل تحذير منها، وليس هجوما على المسيحية، بل دفاعا عنها من اختطاف سياسي خطير، والمعركة هنا ليست معركة مسلمين ضد مسيحيين، ولا شرق ضد غرب، بل معركة وعي ضد تبسيط، ومعرفة ضد تخويف، وتسميه صريحة للأشياء ضد لغة مواربة تؤجل الانفجار ولا تمنعه.

وأخشى ما أخشاه أن نظل نطالب كل من يفتح هذا الملف بتقديم ألف اعتذار قبل أن يتكلم، بينما لا يطلب من دعاة الحروب سوى أن يوضحوا نواياهم التي باتوا يعلنونها بلا حرج، ففي هذه اللحظة التاريخية يصبح الصمت تواطؤ، ويصبح التحليل واجبا مهما كان ثمنه.

الجريدة الرسمية